في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٧٧ومن هم الأحابيش؟.
كان ذلك الوقت عصر التجمّعات مثلما نرى ونشاهد الآن، فكلّ دولة تودّ أن تجعل حلفا ومعاهدة مع بعض الدول الأخرى؛ كي تكون في صفّها وتحارب معها إذا جدّ الجِدّ، وكذلك كان في ذلك الوقت ولكن بصورة القبائل، فهؤلاء الأحابيش بعضُ القبائل ممّن يسكنون الحجاز حول مكّة ضمّوا بعضهم إلى بعض، منهم خزاعة وبعض القبائل الأخرى، وكوّنوا تحالفا، هذه العشيرة وتلك وتلك يترابطون ويكوّنون كلّهم حلفا واحدا، من عادى أحدا منها فقد عادى الآخرين، يموتون مع بعض أو يحيون مع بعض، فأُطلق عليهم الأحابيش، قيل نسبة إلى جبل حبشيّ اجتمعوا في سفحه(1) .
فابن الدَّغِنَة هو سيّد هذه القبائل المتحالفة وليس لعشيرة واحدة، إنّما هي أربع أو خمس قبائل اجتمعوا وأمّروا عليهم هذا، فأصبحت لديه مكانة كبيرة.
خرج أبو بكر -رضي الله عنه- فالتقى ابن الدَّغِنَة، وهذا من لطف الله تبارك وتعالى عندما يريد شيئا. فقال له: «إلى أين يا أبا بكر؟».
قال له: «لقد رأيتَ وعلمتَ كيف أنّ قومي آذوني وأضرّوا بي، فلم أستطع أن أعبد كيف أشاء، فاضطُررت إلى الخروج مهاجرا».
فقال له ابن الدَّغِنَة: «مثْلُك لا يهاجر!، إنّك لتزين العشيرة وتعين على نوائب الدّهر وتفعل الخير وتكسب المعدوم، مثلك ليس من يخرج!».
وحقيقة، لكلّ قبيلة ناس يزيّنونها؛ يعني قال له: «إذا خرجت أنت يا أبا بكر فمن سيبقى في قومك؟!، إنّك لتزين العشيرة بخلقك واستقامتك، أنت ركن من أركان العشيرة». ثمّ قال له: «ارجع إلى مكّة وأنت في جواري».
(1) … الأَحَابِيشُ هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كِنَانَةَ والهُونُ بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق من خُزَاعَةَ، تَحَالَفُوا جَمِيعًا. وسُمّوا الأَحَابِيشَ؛ لأنّهم تحالفوا بواد يقال له: «الأَحْبَشُ» بأسفل مكّةَ. (سيرة ابن هشام: ج2، ص217).