في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

والجوار هو المنع، وورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾(1) ؛ فمن صفات الله تبارك وتعالى أنّه يجير ولا يجار عليه، ويَمنع ولا يُمنع عنه.

﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾؛ أي: إذا أراد أهل السماوات والأرض جميعهم أن يَمَسُّوا شخصا بسوء، فلن يصلوا إليه إذا كان تحت حماية الله تعالى.

﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: إذا أراد الله شخصا بسوء، فلن يستطيع أحد أن يمنعه منه أبدا.

ونقول في الدعاء بعد الصلاة: «اللهمّ أجرني من النار»؛ أي امنعني.

والشيطان قال للكفرة [كما أخبر الله تعالى عنه بقوله]: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ أي قال لهم: «ادخلوا تحت حمايتي، سأردّ عنكم»، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىا عَقِبَيْهِ﴾(2) .

ومن الإجارة، جاءت كلمة الجوار؛ لأنّ كلّ جار تحت حماية جاره، ومن حقّه أن يردّ عنه البلاء، ليس مثلما يحدث أحيانا من بعض الناس الذين يضرّون جيرانهم بأولادهم أو بأوساخهم، فالجار عند الرجل الكريم يُحمى حاضرا أو غائبا، ويدفع عنه السوء.

الجوار معناه إذن: الحماية.

قبِل أبو بكر -رضي الله عنه- هذا الجوار ودخل مكّة تحت حماية ابن الدَّغِنَة الذي بدوره دخل الحرم ونادى:

«يا معشر قريش قد أجرت ابن أبي قحافة فكُفّوا عنه، ولا يتعرضنّ له أحد إلا بخير».

فلم تستطع قريش أن تصل إليه.

(1) … سورة المؤمنون: الآية 88.

(2) … سورة الأنفال: الآية 48.

١٧٨ / ٤٥٥