في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٧٩ولكن ماذا وقع بعد ذلك؟
اتّخذ أبو بكر -رضي الله عنه- مصلّى أمام بيته في الفناء، فكان يصلّي فيه، والعرب في القديم -مثلما هو حال الناس اليوم إلا في المدن المكتظّة- لمّا يتّخذ أحدهم بيتا؛ يضع له فناءً ويكون مكشوفا(1) ، فأبو بكر اتّخذ مصلّى أمام بيته يخرج إليه ويقرأ القرآن ويصلّي، وكان رقيق القلب وعربيّا فصيحا يفهم ما يقرأ، فإذا قرأ القرآن بكى، يقرأ القرآن في صلاته بترتيل، ويقرأ بقراءة جميلة، وكان صوته شجيّا، فامتزج ترتيله بالبكاء تخشّعا لله تبارك وتعالى فأكسبها سحرا، وعندما يكون على هذه الحالة، يأتيه أطفال الحيّ والعبيد والنساء ويدورون حوله ويلتذّون بسماعه ويطيلون المكوث.
فاغتاظ كفّار قريش من هذا وقالوا: «إن تركنا الأمر هكذا، فسنهلك، أبناؤنا كلّهم سيضيعون منّا، سيعجبهم هذا الكلام ويؤمنون به ويتبعونه، فينفلت منّا زمام الأمور».
أَنْظَروه مدّة ولكنّه لازم تلك الطريقة، حتى ذهب أبو جهل وجماعة من المتعصّبين الكبار من قريش إلى ابن الدَّغِنَة فقالوا له: «أأجرت هذا لكي يضرّنا؟! قد كففنا أيدينا عنه فلسنا نضرّه، ولكنه يؤذينا، لقد أضرّ بنا، أبناؤنا وعبيدنا موشكون أن ينكبّوا عن الصراط ويفلتوا من أيدينا، رُدَّ علينا أو ارفع جوارك».
ذهب ابن الدَّغِنَة إلى أبي بكر فقال له: «يا أبا بكر، إنّي لم أجرك على أن تؤذي قومك، لك بيتك، ادخله وافعل فيه ما تريد ولن يمنعك أحد، أنا لك ضامن، صلّ في بيتك واقرأ ما شئت واعمل ما شئت، ولكن ليس بهذه الطريقة، فإنّ قومك قد اشتكوا منك، فإمّا أن تدخل ببيتك…»، فقاطعه أبو بكر قائلا: «أوَأَردّ إليك جوارك؟، أنا الذي أردّ إليك جوارك وأصرّح بذلك وأرضى بجوار الله».
قال له ابن الدَّغِنَة: «نعم إذا أردت أن تردّه».
(1) … يقصد أنّه دون سقف، وليس كما قد يتبادر إلى الذهن أنّه غير مسوَّر.