في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٨٠فقال أبو بكر: «قد رددته إليك».
ولأنّ هؤلاء كرام ولديهم همّة عالية ولا يرضى أحدهم أن يهان -و لو كانوا مشركين-، فقد ذهب ابن الدَّغِنَة مباشرة إلى المسجد، ومثلما نادى بالأمس نادى اليوم: «يا معشر قريش، إنّ ابن أبي قحافة قد ردّ إليّ جواري».
والحكمة أنّه لم يقل لهم: «إنّي قد وضعت عنه جواري»، إنّما قال لهم: « [ابن] أبي قحافة هو الذي ردّ عليّ جواري ولم أتراجع أنا».
يعني الآن شأنكم، افعلوا به ما تشاءون.
رضي أبو بكر بجوار الله تبارك وتعالى، وواصل تلك الطريقة في العبادة، وصبر على ما أوذي، حتى أتى الإذن الأخير بالهجرة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وكان قبل ذلك مرارا عندما كان الصحابة يخرجون أرسالا، يستأذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقول له:
«يا رسول الله ائْذن لي أن أهاجر وأذهب إلى المدينة كما ذهب إخواني».
فيقول له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تعْجل، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا».
ويطمع أبو بكر ويخطر في باله أن يكون ذلك الصاحبُ هو النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنّه لم يقدر أن يقول له ذلك.
كان يقول في نفسه: «لعلّ الله تبارك وتعالى يأذن للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فأحظى بالصحبة».
حتّى كان آخر الأمر يوم أذن الله للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يهاجر ويتّخذ أبا بكر -رضي الله عنه- صاحبا له، وهذا بعد أن فرغت مكّة إلا من المستضعفين، ولم يبق من الأحرار إلا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعلي بن أبي طالب لحكمة سنعلمها عند ذكر هجرته(1) ، ترك النبيّ
(1) … قال الشيخ هذا، ولكنّه أجملَ مضمون حكمةِ تركِهما هنا، وفصّله لاحقا.