في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٩٣وأمّا الإمام عليّ فقد تركه بمكّة لحكمة.
من المعلوم أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُطلَق عليه لفظ الأمين، ولم يعد الناس يقولون له محمّد بن عبد الله، بل يقولون: «جاء الأمين»، «خرج الأمين»، «أين هو الأمين؟»…، فمنذ طرَّ شاربه رأوه وعرفوا صدق قوله وأمانته في المعاملات، وكان لا يقرب شيئا سيّئا أبدا، بل كان طاهرا نقيّا، وكان جوهرة صافية، فكان مستودعا للأمانات.
كانت عنده ودائع وأمانات يعرفها ويعرف أصحابها، فالذي يأتيه [يستردُّ] أمانته، يعطيه إيّاها كاملة غير منقوصة، ولا يمسك عليها درهما ولا دينارا أجرةً، ولا يطالبه بحقّ الكراء، إنّما يفعل ذلك لوجه الله تبارك وتعالى.
أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإمامَ عليا كرّم الله وجهه بهذه الأمانات، وعرّفها له وعرّف له أصحابها، «فهذه أمانة فلان، وهذه أمانة فلانة، وهذه وديعة فلان، وهذه وديعة فلانة… »، وتركه بمكّة حتّى بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليؤدّيَها إلى أهلها.
هذه مكرمة خصّه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بها، والمكرمة الأخرى التي ستأتي، أكبر.
بهذه الطريقة الحكيمة ضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عصفورين بحجر واحد، فمن جهة يؤدّي الأمانات إلى أهلها، حتى ولو كانوا مشركين، فهو لم يستحلّها ولم يقل هؤلاء طردوني وأخرجوني وحاولوا قتلي، فسآخذها معي، لا أبدا؛ لأنّها وُضعت عنده بطريق الأمانة.
ومن جهة أخرى لا يُرجعها بنفسه؛ لأنّه لم يرد أن يُظهر عزمه على الخروج، بل أراد أن يكون الأمر سرّا، فاستعان على ذلك بالإمام عليّ كرّم الله وجهه.
لهذه الحكمة إذن ترك هذين الإمامين الخليفتين من بعده.
[وإذ يمكر بك الذين كفروا… ] :
وإذ يمكر بك الذين كفروا…
في هذه الأثناء لمّا فرغت مكّة من المؤمنين واجتمع منهم بالمدينة عدد كثير، ازداد حنق المشركين ولم يهنأ لهم بال، وهم ليسوا بلداء، بل أذكياء وعقلاء ولكنّ الله لم