في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٩٤يهدهم إلى الإسلام، فأبو جهل والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وشيبة وأميّة بن خلف وغيرهم، كلّهم صناديد وأصحاب فكر ورأي ودهاء، اجتمعوا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: «لقد خرج أتباع محمّد كلّهم حتّى الأعيان، وليس من البعيد أن يخرج لهم محمّد غدا، فماذا سيكون بعد؟!، إنّنا نخاف خطرا أن يأتينا، يجب أن ندبّر في هذا الأمر، فلهذه الهجرة ما بعدها، لقد تمكّن منهم دينهم حتّى تركوا أهلهم وتركوا أموالهم وخرجوا، إنّ لديهم شدّة وصلابة في هذا الدين الجديد، هذا الخروج الذي خرجوه قد لا يعود علينا بالخير».
وهذا منطق منذ القديم، فالنّاس الذين يُضامون في بلدهم ثمّ يخرجون، فإنّ أهل ذلك البلد يخافون أن يرجعوا عليهم بالقوّة بعد أن يكسبوا أنصارا في الخارج.
اجتمع المشركون للتشاور في هذه القضيّة التي أرّقتهم وأقضّت مضجعهم، وكان هذا اجتماع دار الندوة، وهو الحادث المعروف الذي أشار الله تبارك إليه بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(1) .
الحادث الذي سأذكره، سجّله الله تبارك وتعالى في الكتاب الكريم وأنزل فيه آية قرآنيّة تتلى في سورة الأنفال:
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا﴾: يتفكّرون في المكر بك ويدبّرون؛ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: ومكرُ الله هو القضاء على مكرهم.
فماذا صنعت قريش؟.
اجتمعت قريش بدار الندوة، ودار الندوة معروفة مشهورة منذ زمن طويل، والندوة معناها الاجتماع، وهي منتدى أو نادٍ بالعبارة التي تُستعمل ا ليوم.
(1) … سورة الأنفال: الآية 30.