في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٩٥وهذه الدار لقصيّ بن كلاب جدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، هو الذي أسّسها، فاتّخذتها قريش منتدى ومجتمعا لكبرائها إذا كان ثمّة أمر مهمّ، ومكانها معروف إلى اليوم بمكّة، فأهل مكّة ومن كان حاذقا من الحجّاج، يسأل عن مكانها فيهتدي إليها بسهولة.
تنادت قريش للاجتماع ودعت كلّ من كان متعصّبا معها من قبائل العرب للتدبير في هذا الأمر، وكان إذا اجتمع أشراف قريش في هذه الدار تمتلئ، حتى إنّ يوم الاجتماع كان معروفا عندهم بيوم الزحمة؛ لكثرة الوافدين من الناس.
في هذا اليوم الذي تواعدوا فيه، يروي ابن إسحاق وابن هشام والذين كتبوا في السيرة، أنّ المشركين وبينما هم داخلون، إذ جاءهم شيخ مشتمل بكسوة غليظة رماها على كتفيه قد شاب شعر رأسه، وكان غريبا عنهم فسألوه: «من أين الشيخ؟».
قال: «أنا من شيوخ نجد، سمعت بهذا الأمر الكبير الذي أنتم مجتمعون عليه اليوم، أمرِ هذا الشخص الذي أهمّنا أمرُه كلّنا، نحن معكم وأنا أتيتكم اليوم للتشاور لعلّكم تجدون عندي رأيا ينفعكم». فرحّبوا به.
وما كان هذا إلا إبليس اللّعين جاء في هذه الصورة، وإن كان بعض المتحذلقين يقولون إنّ هذه الرواية لا تصحّ، ولكنّ الشيطانَ وتمثُّله للكفّار وللمشركين وتحريضهم، شيءٌ واقع، وقد نصّ الله تبارك وتعالى على ذلك في القرآن في قصّة بدر: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾(1) : لَمَّا أراد المشركون الخروج إلى بدر، خافوا وقالوا: «إنْ نحن خرجنا ومشينا في بعض الطريق، فإنّا نخاف عرشا هو عدوّ لنا أن يأتينا من الوراء، نحن نحارب محمّدا من الأمام وهذا العرش يأتينا من الوراء»، فتمثّل لهم
(1) … سورة الأنفال: الآية 48.