في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

الشيطان في صورة رئيس هذا العرش(1) وقال لهم: «اهنؤوا بالا، أنا أضمن لكم أنّه لن يتحرك أحد، فهيّا تقدّموا إلى الأمام واهجموا على محمّد وصحبه».

فكيف ينكر بعض المتحذلقين مثل هذه الرواية وقد نصّ القرآن على مثلها؟!.

لمّا استقرّ بالمشركين المجلس في دار الندوة، افتتحوا الحوار فقال بعضهم لبعض: «هذا السكوت ليس في محلّه، أنتم ترون الحالة التي وصلنا إليها، فأولادنا خرجوا، ورجال منّا ذوو شجاعة وذوو قوّة خرجوا ودخلوا في هذا الدين الجديد، فإنْ نحن سكتنا، فلربّما يأتينا خطر ويدهمنا شرّ لا نستطيع ردّه، فعلينا أن ندبّر من اليوم».

فتكلّم خطيبهم الأوّل وقال: «الرأي عندي، [أن] نُقيّده وننتظر موته كما مات الشعراء من قبله النابغة وزهير وامرؤ القيس، جماعةٌ من الشعراء عاشوا في الدنيا وأخذوا صيتا، وفي الأخير جاء الموت فأخذهم، فحتّى هذا يموت كما ماتوا». وذلك قوله تعالى: ﴿اَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾(2) ، وقولِه أيضا: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾(3) ؛ يعني: ليتركوك بين ظهرانيهم ويسجنوك. وأردف قائلا: «وهو ليس له ذكور بل بنات فقط، فإذا مات انقطع نسله وأصبح أبترَ». وفيه نزل: ﴿اِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاَبْتَرُ﴾(4) .

(1) … العرش هم: بنو بكر، والذي تمثّل إبليس بصورته هو: سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيّ، وكان من أشراف بني كنانة، وقد أورد الشاعرُ حسّان بن ثابت -رضي الله عنه- هذه القصّة وكيف نكص الشيطان على عقبيه عندما حمي الوطيس في قصيدة له، وممّا قال فيها:

سرنا وساروا إلى بدر لحينهمُ … لو يعلمون يقين العلم، ماساروا

دلاّهمُ بغرور ثمّ أسلمهم … إنّ الخبيث لمن ولاّه غرّارُ

وقال إنّي لكم جار فأوردهم … شرَّ الموارد فيه الخزي والعارُ

… (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص215-217).

(2) … سورة الطور: الآية 30.

(3) … سورة الأنفال: الآية 30.

(4) … سورة الكوثر: الآية 3.

١٩٦ / ٤٥٥