في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

وإلى ذلك الوقت، ما زال لم يأذن الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة، ولمّا أراد إنفاذ وعده، أذن لنبيّه بالخروج، وهو - صلى الله عليه وسلم - كما نعلم- كان لا يتحرّك ولا يسكن إلا بإذن الله، وما دام لم يأته أمر من الله أنْ تهيّأْ للخروج، لا يخرج.

جاءه جبريل - عليه السلام - وأخبره بكلّ ما جرى؛ أي أتى له بمسجّلة الحديث الذي وقع في دار الندوة، فهذا ما وقع في دار الندوة وهذا ما اتفّق عليه قومك، لقد اتّفقوا على قتلك بهذه الطريقة، فتهيّأ للهجرة.

وأخبره جبريل بأنّ موعده الليلةَ التي تواعدوا فيها على قتله، وقال له: «لا تبت تلك الليلة على فراشك».

[الصحبة يا أبا بكر] :

الصحبة يا أبا بكر

وعن التهيئة لخروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، تروي السيّدة عائشة -رضي الله عنها- وهي فتاة حاذقة لبيبة صغيرة السنّ ذكيّة، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان قد عقد عليها ولكن ما زال لم يدخل بها، فهو قد عقد عليها بمكّة وهي ابنة ستّ سنوات، ودخل بها بالمدينة لمّا بلغت تسع سنين.

قلت إنّ عائشة حدّثت كما حدّثت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعا فقالت: «كان من عادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دائما في مكّة أن يأتي إلى دارنا كلّ يوم». وكانت دار أبي بكر بعيدة نوعا ما عن المسجد الحرام.

قالت عائشة: «كان يأتينا كلّ يوم». رواية تقول: «يأتينا مرّتين صباحا وعشيّا»، والظاهر أنّ الرواية الصحيحة(1) تقول: «يأتينا إمّا بكرة وإمّا عشيّا»، لا يترك يوما لا يزور فيه أبا بكر في بيته، وإنّما يذهب إليه في البكرة بعد طلوع الشمس، أو في آخر العشيّة إذا بردت الشمس، ومكّة ساخنة كما نعرف.

(1) … انظر: سيرة ابن هشام: ج3، ص10.

١٩٩ / ٤٥٥