في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠تقول عائشة: «في يوم من الأيام جاءنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرّ الظهيرة(1) ، فرأيناه قادما إلينا من بعيد متقنّعا؛ أي مغطيا رأسه بردائه من حرّ الشمس(2) ، فقلنا: لم يعتد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يجيء في مثل هذا الوقت!!، لم يأت في هذا الوقت إلا لأمر كبير».
دخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي بكر بعد أن أذن له وكان جالسا على سريره فنزل وقعد النبيّ عليه وقال له: «أَخْرِجْ مَنْ عندَك يا أبا بكر».
قال له أبو بكر: «يا رسول الله، إن هما إلا ابنتاي، لا يوجد أحد في بيتي إلا عائشة وأختها».
فرضي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجلسا وتحدّثا والبنتان يستمعان الحديث، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - :
«يا أبا بكر قد أُذن لي في الخروج».
قال أبو بكر: «الصحبةَ يا رسول الله؟»؛ يعني: «أأكون صاحبك ورفيقك؟!».
قال له: «نعم، الصحبة يا أبا بكر».
وهنا تصف عائشة -رضي الله عنها- الحدثَ بأنّ أبا بكر -رضي الله عنه- بكى من شدّة الفرح وتقول: «لم أكن أدري أنّ قوّة الفرح تُبكي، حتى رأيت ذلك من أبي».
كان سيّدنا أبو بكر قد أعدّ من قبل راحلتين، فقد عرف أنّه لا بدّ وأن سيأتي الإذن بالخروج، طال الوقت أم قصر؛ لأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال له آنفا: «إنّي لأرجو أن يؤذن لي بالخروج». فاشترى ناقتين مهريّتين واعتنى بهما جيّدا استعدادا لمثل هذا اليوم.
وكان هذا من طبع أبي بكر -رضي الله عنه- الذي عُرف بالسّخاء، فقد كان يَخرج من ماله جميعا في سبيل الله، وممّا يُروى عنه في ذلك، أنّه لمّا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا، جاء والده أبو قحافة -وكان شيخا كبير السنّ قد عمي بصره- إلى عائشة وأسماء فقال لهما: «أظنّ أن هذا الولد قد خرج ولم يترك لكما شيئا».
(1) … «أو في نحر الظهيرة، وقت الزوال واشتدادِ الحرّ والشمسُ واقفة في كبد السماء». (من كلام الشيخ).
(2) … ولعلّه أيضا متخفّيا عن العيون، خاصّة وأنّه - صلى الله عليه وسلم - ذهب في وقت لم يعتد الذهاب فيه.