في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٠١فقالت أسماء(1) إنّها لم ترد أن تشغل بال جدّها، بل أرادت أن تصبّره وتسلّيه، فعمدت إلى أحجار فالتقطت بعضا منها ووضعتها في كوّة(2) بالبيت حيث كان يضع أبو بكر ماله وغطّتها، ثمّ أمسكت بيدي جدّها ووضعتهما داخل الكوّة فوق الأحجار وقالت له: «لقد ترك لنا ما يكفينا لمعاشنا»، فتحسّس الكوّة بيديه ثمّ قال: «الحمد لله، لقد ترك لكم ما يكفيكم». والحقيقة أنّ أبا بكر أخذ معه جميع ما يملك من مال لينفقه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى نفسه، قيل: كان لديه خمسة آلاف درهم وقيل ستّة آلاف أخذها كلّها معه ولم يترك لهم منها شيئا، إنّما ترك لهم الله. فانظروا إلى قوّة الإيمان.
قلنا: إنّ أبا بكر -رضي الله عنه- قد أعدّ راحلتين من قبل لمثل هذا اليوم فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، إنّي هيّأت راحلتين وأعددتهما لهذا اليوم، واحدة لك والأخرى لي».
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إلاّ بالثمن، أقبل منك واحدة ولكن أدفع لك ثمنها».
قال: «يا رسول الله، هذه هبة لك».
قال: «لا، إلا إذا دفعت لك ثمنها».
هنا يقول أصحاب السيرة إنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يهاجر على ناقة من ماله؛ لكي يتمّ له أجر الهجرة.
فدفع له ثمنها ثمانمائة درهم، وثمانُمائة درهم في ذلك الوقت عدد كبير جدّا، وتركا الناقتين عند راع يتعهّد لهما بهما إلى حين خروجهما.
(1) … «أخت عائشة -رضي الله عنها-، وكانت أكبر منها سنّا، وهي زوجة الزبير بن العوّام وأمّ عبد الله بن الزبير، بطلا الإسلام. [قال البوصيري في همزيته: القصائد البصيرية: ص26] :
وحواريِّك الزبير أبي القَرْ … م الذي أَنجبت به أسماء»
… (من كلام الشيخ).
… القَرْمُ: هو السيّد المُكْرَم. (ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص273، مادة: قرم).
(2) … الكَوَّةُ: الخَرق في الحائط. (ابن منظور، لسان العرب: ج15، ص235، مادة: كوى).