في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

[فأغشيناهم فهم لا يبصرون] :

فأغشيناهم فهم لا يبصرون

أخبر الله تبارك وتعالى نبيَّه بواسطة جبريل - عليه السلام - عن الليلة التي اتّعد فيها المشركون لإنفاذ مكرهم، وأمره أن لا يبيت على فراشه، وبالفعل لم يبت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة على فراشه، بل أمر الإمام عليّا بذلك، وأمره كذلك أن يتسجّى بثوبه، وكان للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - غطاء حضرميٌّ(1) أخضر اللّون جيّد الصناعة يتغطّى به يعرفه جميع الناس، فقال لعليّ: «ارقد أنت على فراشي وتغطَّ بهذا الثوب، ولا تخف، فلن ينالك منهم مكروه».

جاء الشباب الذين تمَّ اختيارهم لتنفيذ هذه المهمّة وجلسوا أمام دار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ونظروا من خصاص الباب، ونعرف أنّ البناء في ذلك الوقت لم يكن محكما مثل بنائنا اليوم، ويمكن أن نقول إنّه كان مثل البنيان الموجود الآن في بعض الأرياف، بناؤهم ليس متينا ولا عاليَ الأسوار، والأبواب فيها شقوق كثيرة، ويستطيع أحد أن يطلّ ويرى ما في الداخل، ثمّ لم تكن عندهم في ذلك الوقت الفكرة التي نستعملها نحن الآن في بيوتنا، وهي أنّه عندما نضع بابا للدار، نبني خلفه مباشرة جدارا على علوّ مترين أو أكثر ونضع كذلك ستارا، فإذا فُتح الباب المطلّ على الشارع، لا يرى أحد وسط الدار، وإنّما يقابله ذلك الجدار وذلك الستار، ولكن أحيانا تكون بعض الدّيار ضيّقة ولا يمكن أن يوضع فيها هذا الحائط الذي يردّ النظر، فأصبح الناس يكتفون بوضع قطعة من القماش ستارا.

(1) … «حضرميٌّ يعني من حضرموت، فقد كانت بلاد اليمن وبلاد حضرموت معروفة منذ القديم بالصناعة الدقيقة، صناعة النسيج وغيرها، ولا يخفى لدى المطّلعٍ على أخبار الأمم السابقة [أنّ] حضارة اليمن من أعرق الحضارات في الدنيا، وقد عرّفها الله تعالى لنا في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمُ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ…﴾ [سورة سبأ: الآية 15]. كانوا متمدّنين بجميع الصنائع كالنسيج والصياغة والبناء والتعمير والغراسة…، فكانت الثياب تأتي من اليمن، والقوافل إذا جاءت من هناك، تمرُّ على الحجاز وتبيع فيه، ثمّ تسير إلى الشام». (من كلام الشيخ).

٢٠٢ / ٤٥٥