في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥وَجَعَلْنَا مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}(1) ، وهو يكرّر: ﴿فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، فأعمى الله أبصارهم ولم يره أحد منهم.
تقول رواية: إنّه في الوقت نفسه الذي خرج فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كان أبو جهل يُحدّث الشباب -لأنّه كان معهم- ويُحمّسهم ويسخر من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فوصل إلى أن قال: «إنّ هذا -أي محمّدا- يزعم أنّكم إذا اتّبعتموه، ستجدون بعد أن تموتوا جنانا مثل التي ترونها في الأردن، وتجدون خيرات وتجدون نعيما وتجدون وتجدون…، و[يقول] لكم: إذا كفرتم به ولم تتّبعوه، فستكون نارٌ بعد أن تموتوا، تدخلونها وتُشوَون فيها»، عند هذه الكلمة بالضبط، خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من بيته وقال له: «نعم، وأنت منهم»؛ أي قال له: نعم، قلتُ لهم بأنّ الذي لم يؤمن بي، فسيكون مصيره النار، وأنت واحد منهم.
وأخذ في يده الشريفة حفنة من تراب ووضع منها على رأس كلّ واحد منهم، ومرّ.
بقي الشباب منتظرين وهم مصمّمون على البقاء حتّى ولو طلع الصباح، فالأمر عندهم سيان، ولم يكن في نيّتهم أن يهجموا عليه في الدار، بل يتربّصون حتى يخرج، فيهجمون عليه كلّهم. فمكثوا زمانا طويلا.
وكما أعمى الله تبارك وتعالى أعينهم، عمّى عنهم الأخبار كذلك، حتّى الشيطان لم يأت إليهم بإذن الله، حتّى إذا مشى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المسافة التي لا يقدرون على قطعها للّحاق به، جاء رجل لا يعرفونه فمرّ عليهم(2) وقال لهم: «ما الذي أقعدكم هنا؟!».
قالوا: «نحن ننتظر محمدا لكي نقتله حين يخرج».
(1) … سورة يس: الآيات 1-9.
(2) … «لم تذكر الرواية من هو، وهناك رواية أخرى تقول: إنّه الشيطان تمثّل لهم لكي يمكر الله بهم مكرةً أخرى». (من كلام الشيخ).