في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٦

فقال لهم: «لقد سخر منكم، لقد خرج منذ مدّة طويلة وقطع مسافة كبيرة وأنتم ما زلتم تنتظرون!! محمّد ليس في الدار». ثمّ تلفّت إليهم وزادهم حنقا بأن قال لهم: «وها قد حطّ على رؤوسكم جميعا التراب، هيّا انظروا ما بكم؟!»، فرفعوا أيديَهم إلى رؤوسهم وقد بلغ بهم العجب مداه، فالذي يمدّ يده إلى رأسه يتساقط منه ذرّات التراب!!، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون غير مصدّقين ما يقع: «ماذا حدث؟! وكيف خرج ومتى، ونحن لم نرقد مذ جئنا؟! كيف يقول لنا إنّه خرج؟!»، فأطلّوا من الباب ليتأكّدوا، فأطلّ الأوّل وزاد الآخر فقال بعضهم لبعض: «إنّه ما زال راقدا على فراشه ومتزمّل بغطائه الأخضر ولم يخرج بعد، لقد كذب علينا هذا الرجل». فلم يصدّقوه بل قعدوا وانتظروا فترة أخرى، فلمّا انبثق الفجر أو بعده بقليل، قام الإمام عليّ وأزاح عنه الغطاء ووقف، فلمّا أطلّوا رأوا بأنّه ليس محمّدا الذي ينتظرونه بل هذا عليٌّ!! فلمّا فتح الباب وهمَّ بالخروج، تشبّثوا فيه قائلين: «أين هو محمد؟».

قال لهم: «لا أدري، يمكن أنّه خرج، أولستم أنتم الذين طردتموه؟!».

فأفرغوا غيظهم فيه وأخذوه إلى المسجد الحرام وحبسوه ساعة وحقّقوا معه، فما زاد على أن ردّ عليهم: «لا أعرف مكان محمّد».

فشنّوا حملة بحث في مكّة وشعابها فما وجدوا له أثرا، هناك شعروا بأنّ زمام الأمور قد تفلّتت من قبضتهم، وهكذا سُقط في أيديهم.

وكانت هذه المكرمة من مكارم الإمام عليّ كرم الله وجهه بأن سبّل نفسه ونام على فراش النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، متعرّضا لكلّ شيء.

قد يقول قائل ويتساءل: لماذا قعد هؤلاء الشباب أمام دار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه لكي يخرج فيقتلوه ولم يهجموا على الدار فيكسرون الباب أو يتسوّرون الجدار؟! والأبواب كانت في ذلك الوقت ضعيفة والأسوار قصيرة ويمكن أن يصعدوها، كما تقدّم لنا في قصّة هشام بن العاص وعيّاش بن أبي ربيعة لما تسوّر عليهما الوليد بن

٢٠٦ / ٤٥٥