في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨بهم، وكان التمثيل بالميّت عند العرب إهانةً، ولذلك قال أبو سفيان: «إنّكم تجدون مثلة، لم آمر بها -يتبرّأ من الأمر لأنّه قائد الجيش- ولكنّها لم تزعجني»؛ لأنّها جاءت على هواه، وإنّما يدلّ هذا على همّة عالية.
ولماذا ذكرنا هذا كلّه؟.
لأنّه قد يسمع أحد القصّة فيخطر خاطر في قلبه ويقول: يا سبحان الله!! هؤلاء قعدوا الليل كاملا أمام الباب ينتظرون خروجه فيقتلونه، ها هو أمامكم، الباب الذي تستطيعون أن تطلّوا منه، بضربة من أحد منكم تسقطونه أرضا، أو يصعد أحد فوق كتف آخر فتسطون عليه!!.
ولكن، لما يتّضح السبب، يزول العجب.
[من تدابير الهجرة] :
من تدابير الهجرة
مكث الإمام عليّ كرم الله وجهه بمكّة يُرجع الودائع والأمانات إلى أصحابها، أمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقد ذهب في الوقت الذي اتّعد فيه مع أبي بكر، وكانا قد اتّفقا أيضا مع الدليل(1) عبد الله بن أُريقط الذي استأجره أبو بكر وأعطاه الناقتين وقال له: «هاهما ناقتان برواحلهما، وفي الليلة الفلانية تكون تحت جبل ثَوْر وتكونان معك». وجبل ثور كما نعلم هو الجبل الذي يوجد فيه الغار الذي اختبأ فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه.
فكان اتّخاذ هذا الدليل تدبيرا من التدابير.
وهناك تدبير آخر، فقد وصّى أبو بكر راعيَه عامر بن فهيرة أن يأتيه في الساعة الفلانية من الليل ويسوق الغنم ويأتي إلى تحت جبل ثور في مكان عيّنه له ويبيّتها هناك، وقبل الفجر يذهب، وذلك لحكمة سنذكرها لاحقا.
(1) … «الدليل هو الذي يخبر بهم الطريق ويأخذهم حتى المدينة، وكان الدليل الذي اتّخذاه مشركا، ولكن يوجد مشركون فيهم ثقة [منهم هذا]، فالمهمّ عنده أن يأخذ أجرة عمله وكفى». (من كلام الشيخ).