في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

وتُذكر رواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال لها: «إنّ لك بنطاقيك هذا نطاقين في الجنّة»؛ كناية عن التشريف والتفضيل. وكانت -رضي الله عنها- تأخذ لهما عشاءهما إلى الغار كلَّ ليلة(1) .

فانظروا إلى دقّة التخطيط والتدبير والتوكل على الله تعالى وعدم التواكل، فطيلة الليالي الثلاث التي بات فيها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر -رضي الله عنه- في الغار:

( كانت أسماء تمشي إليهما في جوف الليل تأخذ لهما عشاءهما.

( وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي إليهما كلّ ليلة بالأخبار وما يقال من أحاديث في نوادي قريش.

( وكان عامر بن فُهيرة يأتي بالغنم إلى تحت الجبل ويُصعد لهما الحليب.

والحكمة في الغنم لا تكمن في شرب الحليب فقط، بل هناك حكمة جليلة، فإذا رجعت أسماء ورجع عبد الله إلى مكّة، فإنّ عامر بن فهيرة راعي الغنم يلعِقُ بالغنم آثارَهما فتعفى كلّها ولا تبقى، والذي يأتي إلى هناك لا يرى سوى آثار الغنم، والغنم تصبح في مكّة، فجبل ثور ليس بعيدا كثيرا، وعبد الله بن أبي بكر يصبح قبل الفجر داخل مكّة كذلك، ويبيت وينهض في الصباح مثل شباب قريش كواحد منهم لا يعرفون أنّه مشى في الليل، وأسماء كذلك.

هذه فائدة الغنم التي تأتيهما، وهذا من دقّة النظر والتدبير والمبالغة في التعمية على الأعداء.

مشت الأمور على هذا النمط حتّى الليلة التي أذن الله تبارك وتعالى فيها للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج من الغار، والرواية تنصّ على أنّ خروجه إلى المدينة كان يوم الاثنين، وتقول رواية أخرى إنّه خرج يوم الخميس، ولكنّ الذي لم ينتبه للجمع بين الروايتين، يقول وكأنّ روايةً تُكذِّب أخرى، والأصل لا [تعارضَ بينهما]، فبالجمع بين

(1) … ويزداد العجب إذا علمنا أنّها -رضي الله عنها- حامل!!.

٢١٠ / ٤٥٥