في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

فقالت: «لا أدري، لا نعلم أين هو».

وكان معهم أبو جهل، فلطمها لطمة على خدّها فكُسر قرطها، وكان خبيثا لئيما، ضربها لأنّها قالت: لا أدري، وحقّا لا تدري.

تقول أسماء: «لا ندري إلى أين خرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أيّ طريق سلك [هو وأبي] »، لا هي ولا عائشة ولا أيّ شخص آخر، وإنّما أُمِرتا بالتجهيز وإعداد كلّ شيء حتى يخرجا [من مكّة] ، ولكن أيّ طريق سيسلكان؟ لا تدرِيان، يعني صدقت أسماء إذ قالت لجماعة قريش: «لا ندري أين ذهب».

أمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقد خرج من الغار وأَغَذَّ السَّيرَ(1) ، سار هو ومن معه ليلة ويوما دون توقّف حتّى انتصف النّهار ووقفت الشمس في كبد السماء، فلاحت لأبي بكر -رضي الله عنه- صخرة فيها شيء من الظلّ فقال للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لنستظلّ هنا يا رسول الله ونستريح». قال أبو بكر: «وكانت عندي فروة(2) ففرشتها للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الظلّ ليستريح فيها ويستبرد»، فاستظلّ واستراح، أمّا أبو بكر فلم يجلس وإنّما كان يحوم حول المكان، يطلع إلى جهة ويهبط إلى أخرى، ويطلع هذه الشعبة ويذهب إلى أخرى علّه يجد أحدا جاء يطلبهم، قال: «فالتقيت راعيا بغنيماته، فجاء إلى صخرة يعرفها ويقيل تحتها(3) »، فقال له أبو بكر: «لمن أنت؟».

قال: «لبعض رجال مكّة».

قال: «أعندك حليب؟».

(1) … أَغَذَّ السيرَ: أسرع في السير. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص501، مادة: غذذ).

(2) … «أي جلد مدبوغ فيه شَعَر أو فيه صوف يُستعمل فراشا، مثلما تصنع اليوم». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج15، ص151، مادة: فَرا).

(3) … «ومثلما هو معروف لدى أهل الصحراء، خاصّةً الرعاة منهم، فإنّ لهم أماكن معيّنة يقصدونها إذا حميت عليهم الشمس، يستظلّون تحتها حتّى تبرد الشمس». (من كلام الشيخ).

٢١٩ / ٤٥٥