في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠قال له الراعي: «احلب». قال أبو بكر: «فذهبت إلى شاة وقد أخذت معي إناء فمسحت الغبار من ضرع الشاة وحلبت في الإناء، وكان معي إداوةُ(1) ماءٍ، فأخذت هذا الحليب وذهبت به إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومزجته بالماء ليبرد، فأعطيت له منه فشرب حتى ارتوى ثمّ قال لي: «أما آن الرحيل؟»».
قلت: «بلى».
فارتحلوا وساروا.
[كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى؟] :
كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى؟
قال أبو بكر: «حتى إذا كنّا بأرض صلبة(2) ». وهنا تقع المعجرة، معجرةُ سُراقة.
ولندَع سراقة يحدّثنا شخصيّا بما وقع له.
سُراقة بن مالك بن جُعْشُم رجل من بني مُدْلِج، قال: «كنت بمكّة في مجلس من قومي في تلك الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى من خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقريشٌ كلُّها تتحدّث عنه فقد كان حديث النوادي، وأعلنوا في مكّة بدية كاملة؛ أي مائة ناقة لمن يأتي بمحمّد حيّا أو ميّتا». قال سراقة: «كنت بمجلس من قومي فإذا برجل يدخل ويقول: لقد رأيتُ في مكان كذا أَسْوِدَةً، ما أظنّها إلّا محمّدا وأصحابه»؛ يعني رأيت ثلاثة أو أربعة أشخاص في المكان الفلانيِّ مارّين يُغِذّون السير، يمشون مشي من هو حريص في سيره، قال: «أظنّهم محمّدا وأصحابه».
قال سراقة: «فأوحيت له بعينيّ أنُ اسْكُتْ؛ فسكتَ، ثمّ قلت لمن بالمجلس: أولئك بنو فلان خرجوا يطلبون ضالّة لهم، إنّي أعرفهم، لقد ضاع لهم جمل فخرجوا
(1) … إداوة: إناء صغير من جلد، يُتَّخذ للماء. (ابن منظور، لسان العرب: ج14، ص24، مادة: أدا).
(2) … «أرض الصحراء ليست على نمط واحد؛ فأحيانا تجد أرضا صلبة، وأحيانا تجد أرضا رمليّة، وأحيانا تجد أرضا هشّة». (من كلام الشيخ).