في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

على أثره، وليسوا محمّدا وأصحابه. فسكتت، ومكثتُ قليلا في المجلس كي أُغَيِّب عن أذهانهم القضيّة ثمّ خرجت. قال: طمعت وقلت [في نفسي]: والله لأذهبنّ وآتينّ بهم فهذه مائة ناقة!! مال كبير!! لا أستطيع أن أجمع هذا العدد طول عمري!!»، فأخذه الطمع. قال: «فأخذت أزلامي فاستقسمت، فخرج ما أكره».

والأزلام -مثلما وردت في الآية: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلاَمِ﴾(1) - هي عبارةٌ عن سِهام، فقد كان العرب يصنعون بعض القطع من العيدان فيجعلونها في مزود وينظرون بها الحظ، والأصل أن تكون الأزلام عند صاحب الصنم في مكّة عند الكعبة أو في جهة أخرى، فقد كان عند العرب قديما ما يسمّى ببيوت الأصنام، وكان لكّل بيت سادِنٌ، والسادن هو خادم الصنم وخادم بيت العبادة، وهو الذي يقبل الهدايا، وإذا أراد أحد أن يتبرّك بشيء؛ يضعه في جراب هناك لتناله بركة الإله المعبود، وإذا أراد أحد أن يتزوّج مثلا أو يتاجر أو يسافر، يأتي السادنَ ويقول له: «استقسم لي على كذا»، ويذكر له حاجته.

والأزلام فيها ثلاثة، الأوّل مكتوب فيه: «أمرني ربي»، والآخر مكتوب فيه: «نهاني ربي»، والثالث لا يوجد فيه أي شيء، فيخلطها السادن بهزّ هذا الكيس الذي يحويها، ثمّ يدخل يده ويخرج واحدا، فإن خرج الذي كُتب فيه: «أمرني ربي»؛ يقول: «هذه سفرة مباركة»، أو: «امرأة مباركة»، أو: «تجارة مباركة»، «لقد رضي به الإله وباركه».

وإذا خرج الذي كُتب فيه: «نهاني ربّي»؛ تراجع، [وقال] هذه الصفقة ليست مباركة؛ لأنّ الربّ لم يرض. ويريدون بالربّ آلهتَهم(2) .

هذه هي الأزلام، وحكمها الحرمة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلاَمِ﴾ وقد وردت في سياق النهي.

(1) … سورة المائدة: الآية 3.

(2) … أي أصنامهم التي يعبدونها من دون الله تعالى.

٢٢١ / ٤٥٥