في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢فالناس اليوم لمّا يستقسمون ويكتبون ورقة أو أيّا كان وينظرون حظّهم: «هل أفعل كذا أم لا؟»، فإذا كان لا يؤثّر في عزمه، فليس في الأمر حرج، ولكن أن يتراجع أحد عن العمل من أجل ما خرج له نتيجة الاستقسام؛ فهذا حرام، يقول: «اقترعت فكانت النتيجة: لا تفعل، أو: لا تذهب…؛ إذن أتراجع»، هذا لا يجوز، بل امش وتوكّل على ا لله.
ولنرجع إلى سراقة، قلنا إنّ هذه الأزلام الأصل فيها أن تكون عند الأصنام، وفي مكّة تكون عند سادن الكعبة، وكان العرب كذلك يتّخذون أزلاما لأنفسهم في بيوتهم. قال سراقة: «لمّا أردت أن أخرج، نظرت حظّي، [و]كانت عندي أزلام، فأدرتها وأخرجت واحدا منها فوجدت الأمر الذي لا يعجبني، خرج لي الأمر الذي ينهاني عن الخروج، يعني سوف لن تربح في طريقك، فهممت أن أتراجع لكن قلت في نفسي: هذه مائة ناقة!! هذه صفقة كبيرة!! دعني أعصي هذه الأزلام». فطمسَتِ المائة ناقة عينيه وخرج يطلب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - .
وبينما هو يسير، إذ عثرت به فرسه فسقط وتشاءم وقال: «ليس من عادة هذه الفرس أن تتعثر، الأمر لا يُطَمئن!!» فرجع وكانت معه كيس أزلامه، فأعاد الاستقسام مرّة أخرى فخرج له كذلك ما يكره، قال: «ففكّرت في التراجع، ولكن… هذه مائة ناقة!، لن أتنازل عنها أبدا، فمضيت قدما حتى أدركت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ورأيتهما رأي العين».
ولمّا تقدّم منهما، رآه أبو بكر فقال للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، أدركنا الطلب»(1) .
فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الكلمة التي قالها له في الغار: ﴿لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(2) .
(1) … «مثلما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [سورة الشعراء: الآية 61] ». (من كلام الشيخ).
(2) … سورة التوبة: الآية 40.