في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

فبكى أبو بكر -رضي الله عنه-، ورأى الفرس تقترب منهما حتى صار بينها وبين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قدر رمحين أو ثلاثة، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يلتفت ولم ينظر إلى الوراء أبدا، بل قال لأبي بكر في لهجة الواثق بنصر الله تعالى: «لِمَ تبكي يا أبا بكر؟! ألم تعلم أن الله معنا؟! الله هو الذي يكفينا [إياه]، وهو الذي يردّه عنّا»(1) .

قال أبو بكر: «فلمّا اقترب سراقة منّا أكثر ساخت قوائم فرسه في الأرض»، وهنا وقعت المعجزة، فرغم أن الأرض صلبة إلا أن قوائم فرسه دخلت في الأرض حتّى الفخذ، وسقط سراقة فاستغاث بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: «أعلم أنّ هذا من عندكم، ادع ليَ الله أن يفكنيّ ولا أؤذيكم».

فدعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الله تعالى فصعدت قوائم فرسه، ولكنّه تقدّم إلى الأمام لكي يعيد المحاولة مرّة أخرى، فساخت هذه المرّة حتّى ضرب بطنها الأرض، ثمّ تشفّع وبكى ودعا وقال للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أعطيك العهد على أن لا أضرّكما وأن أردّ عليكما»، فدعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأطلقته الأرض وأرسلته. وفي مرّة أيضا طار غبار إلى عنان السماء كأنّه عاصفة حتّى حالت بينه وبينهما، فعلم سراقة أنّه لا يستطيع على هذا أحد، ولا أحد يقدر عليه، أخيرا سألهم وقال لهم: «انْظُروني أُكلِّمْكم».

فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: «اسأله ماذا يريد».

(1) … قد يستغرب القارئ ويتعجّب من بكاء سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه-، ولكن لمّا يعلم السبب يبطل العجب، فلم يكن بكاؤه -رضي الله عنه- خوفا من الموت، بل خوفا من أن ينال رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أذى، ولندعه يروي لنا ذلك بنفسه. يقول سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه-: «…فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جُعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا! قال: ﴿لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح، أو رمحين أو ثلاثة، قلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا! وبكيت. قال: لم تبكي؟ قلت: أمَا واللهِ ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. فدعا عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - [أي على سراقة] فقال: ”اللّهمّ اكفناه بما شئت“، فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صَلْدٍ…». (سيرة ابن كثير: ج2، ص252).

٢٢٣ / ٤٥٥