في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦الشام وإلى اليمن تاجرا، أمّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقليل ممّن كان خارج مكّة يعرفه، فأصبح الذين يلقونهم يسلّمون على أبي بكر ويسألونه: «من هذا معك؟».
فيجبهم قائلا: «هاد يهديني السبيل».
وحقّا، فقد كان أبو بكر -رضي الله عنه- صادقا؛ فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - هاد يهديه السبيل إلى الله تعالى، ولكن الناس يفهمون وكأنّه دليل أو خبير يهديه في سفره، ولكنّ أبا بكر ورّى وعرَّض، وما كان ينبغي له أن يقول لهم: «هذا رسول الله». احتياطا منه -رضي الله عنه-.
وفي بعض الطريق التقوا قافلة تجاريّة راجعة من الشام فيها الزبير بن العوّام في جماعة من المسلمين، وكان الزبير مسلما، وكانت هذه القافلة راجعة من رحلة الصيف(1) ؛ لأنّ هذه الهجرة وقعت في ربيع الأول، أمّا الشهر الأعجميّ الذي يوافقه من السنة الشمسيّة، هو شهر سبتمبر، وحدّده بعض المؤرّخين بالعشرين منه، وهذا يحقّق لنا ما في القرآن، والأصل أنّ القرآن الكريم ليس في حاجة إلى تحقيق، ولكن نحاول دائما أن ننظر تفسيره عمليّا، فنفهم أنّ هذه القافلة القرشيّة كانت في الشام ورجعت؛ لأنّهم يذهبون إليه في وقت الصيف فهو من البلاد الباردة، وأمّا في الشتاء فيشدّون رحالهم إلى جهة اليمن وهو من البلاد الحارة.
كان إذن رجوع هذه القافلة في وسط سبتمبر، والجوّ في شُتَمبر -خاصّة في الحجاز- ما زال ساخنا، فالتقوا هذه القافلة وكسا الزبيرُ -رضي الله عنه- النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر حُللا جديدة بيضاء.
وهكذا أراد الله تبارك وتعالى لنبيّه وصاحبه أن يدخلا المدينة بعد يومين أو ثلاثة، وهما لابسان هذا اللباس الجديد الناصع البياض، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ البياض ويحبّ النظافة.
(1) … «وهذا ممَّا ذكره الله تبارك وتعالى في القرآن وامتنّ به على قريش، وهو رحلة الشتاء والصيف». (من كلام الشيخ).