في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧واصل - صلى الله عليه وسلم - سيره، وكان خبر خروجه قد بلغ أهلَ المدينة والمهاجرين من الليلة التي خرج فيها من مكّة قاصدا الغار ليختبئ فيه، فكانوا يترقّبون وصوله من حين لآخر، فهم متيقّنون أنّه لابد وأنْ سيهاجر حيث أمرهم، خاصّة وقد أُذن له، ولكن ما زال لم يقرّر في أي يوم، فأصبح أهل المدينة -الرجال منهم- يخرجون بسلاحهم إلى ظاهر الحرّة(1) يترقّبون وصوله وينتظرونه، ولا يرجعون إلا إذا أحرقتهم شمس الظهيرة، فيظنّون أنّه لا يصل اليوم فإلى غد، وكان هذا دأبهم أيّاما، يخرجون وفي وقت القيلولة حين تلفح الشمس أجسامَهم يرجعون.
[الوصول إلى المدينة] :
الوصول إلى المدينة
وفي اليوم الذي سيصل فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، انتظروا كعادتهم إلى الظهيرة، فلمّا أيسوا، رجعوا إلى المدينة ودخلوا بيوتهم، وإذا بيهوديّ يرى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من مكان عال(2) . تقول رواية: رأى هذا اليهوديُّ رجالا مبيَّضين؛ أي ناصعي البياض، فعرف وتيقّن أنّ هؤلاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فنادى بصوت عال: «يا معشر العرب، يا بني قَيْلة(3) ، هذا جَدُّكم»(4) ؛ أي الشأن أو الفخر الذي تنتظرونه قد أتى.
(1) … «الحرّة جهة في طريق مكّة والمدينة بها حجارة سود، والمدينة لها حرّتان يخرج إليها أهلها للقاء المسافرين، مثلما هو الحال في كلّ البلاد، ومثلما كنّا نفعل نحن هنا [في القرارة] حيث [كنّا] نخرج للقاء الحجّاج لما كانوا يأتون على الجمال قبل أن تكون هذه السيارات ووسائل النقل الجديدة، يخرج الناس إلى ظاهر البلدة للقاء المسافرين خاصّة الذين لهم قيمة ولهم شأن، فكيف يكون الحال إذا كان القادم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟». (من كلام الشيخ).
(2) … «وكان لليهود حصون وأبراج عالية في المدينة يتحصّنون بها». (من كلام الشيخ).
(3) … «بنو قيلة هم أهل المدينة، ويُطلق عليهم هذا اللقب نسبة إلى جدّتهم أمِّ الأوس والخزرج التي كانت تسمى قِيلة». (من كلام الشيخ).
(4) … «جَدُّكُم: حظّكم». (من كلام الشيخ). (انظر ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص107، مادة: جدد).