في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨فقام الناس وتسارعوا إلى سلاحهم، وهي عادة العرب مثلما هو معروف، وأدركنا هذا أنْ يمشيَ الناس مسلّحين، ففي السلاح جمال للرجل وزينة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالرجل المسلّح يكون متحزّما ومستعدّا لأيّ طارئ، وكان رفع السلاح أيضا عند اللّقاء، عنوان الفرح والاستبشار والاغتباط، وكذلك فعل الأنصار أهلُ المدينة ومن معهم من المهاجرين السابقين، نهضوا مسرعين -وكان الوقت وقت قيلولة، وشدّة الحرّ قد بلغت ذروتها- فبدّلوا ملابسهم ولبسوا لامة الحرب، وخرجوا إلى الحرّة ولقوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
قدم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ودخل المدينة من جهة بني عمرو بن عوف في قباء، والمدينة طرق؛ لأنّه -ومثلما ذكرنا- هي عبارة عن عروش، وكلّ عرش مجتمعون في ناحية من البلد، وكلّ عرش عبارة عن ديار، ونعني بالديار العشائر، فكان الأقارب يتكتّلون ويتجمّعون في مكان واحد، ولا يبعد بعضهم عن بعض سوى بميل أو ميلن، هذه هي منازل المدينة، مثلما هي كذلك منازل اليهود بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، فكلّ أحد في جهة.
[دعوها فإنّها مأمورة] :
دعوها فإنّها مأمورة
دخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة من جهة بني عمرو بن عوف في قباء، ولا يوجد أحد ممّن زار المدينة لا يعرف هذا الموضع الذي بُني فيه مسجدُ يسمّى «مسجد قباء»، والذي يذهب إليه الحجّاج والزوّار للصلاة فيه لفضله.
نزل - صلى الله عليه وسلم - من تلك الجهة وكان راكبا على ناقته التي اشتراها من أبي بكر بثمانمائة درهم بعد أن رفض أخذها هبة، فأرخى لها زمامها وأرسلها وتركها تمشي على هواها، لا يُميّلها يمنة ولا يسرة.
عندما اقترب من بني عمرو بن عوف، تلقّاه رؤساء وكبراء عشائر الأنصار، وكلّ أحد يدعوه ويقول له: