في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٣٩

«يا رسول الله تعال إلينا فلدينا العدد والعدّة والمنعة»، يعني ستجد لدينا سلاحا ومنعة برجال لا ينال منهم غيرهم، رجال ممتنعون لشجاعتهم وبطولتهم، لا يستطيع أحد أن يقترب منهم.

وحاول البعض مرّات أن يأخذ زمام الناقة ويقودها إلى جهته، ولكن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لهم: «دعوها فإنّها مأمورة»، وكرّر هذه العبارة عشرات المرّات، أتركوا هذه الناقة فهي مسيَّرة من عند الله تبارك وتعالى.

ذهبت الناقة أوّل ما ذهبت إلى بني عمرو بن عوف وبركت هناك، فنزل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأقام فيهم أربع ليال، وكان وصوله يوم الاثنين، فأقام يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس إلى صباح الجمعة، وأثناء مكوثه هناك، خطّ لهم مسجدا في قطعة الأرض التي جعلوها من قبلُ مصلّى، وذلك هو المسجد المذكور في القرآن: ﴿لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىا مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾(1) .

بقي في قباء أربع ليال، ونزل عند الصحابيّ الجليل المشهور كلثوم بن الهدم -رضي الله عنه- وكان الأنصار أهل المدينة يأتون من كل جهة للتسليم عليه - صلى الله عليه وسلم - .

وفي ضحى يوم الجمعة ركب على ناقته وارتحل وواصل مسيره إلى المدينة، وألحّ عليه أهل قباء أن يبقى معهم، فكرّر لهم عبارته المشهورة: «دعوها فإنّها مأمورة»، ركب عليها وأرخى لها زمامها وأرسلها تمشي دون أن يحرّكها.

وفي طريقه مرّ كذلك على بني ساعدة، فخرج له سعد بن عبادة وجماعة من أشرافهم وقالوا له: «يا رسول الله، انزل على العدد والعدّة والمنعة»، ولكن جوابه - صلى الله عليه وسلم - دائما واحد: «دعوها فإنّها مأمورة»، حتى جاء إلى ديار بني سالم بن عوف، ووصل هناك وقت زوال الشمس عن كبد السماء واليوم جمعة، فنزل وخطب وصلّى الجمعة،

(1) … سورة التوبة: الآية 108.

٢٣٩ / ٤٥٥