في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

وكانت تلك أوّل جمعة صلاَّها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام، وهذا الموضع معروف ومشهور اليوم، وهو موجود في الطريق بين المدينة وقباء، وبُني فيه مسجد يُسمّى إلى اليوم بـ: «مسجد الجمعة».

ولمّا همّ بالانصراف، ألحّ عليه كذلك بنو سالم بن عوف أبناء عمّ عمرو بن عوف أهل قباء بالبقاء، وكان جوابه - صلى الله عليه وسلم - أن دعوا الناقة فإنّها مسيّرة من عند الله تعالى.

وكانت تعترضه في الطريق منازل الأنصار عن اليمين وعن الشمال وكلّ أحد يريد أن يجذبه إليه، حتّى وصلت الناقة إلى منازل بني عديّ بن النجار(1) فقالوا له: «انزل عند أخوالك يا رسول الله، أين تذهب وتتركنا؟!».

فقال لهم - صلى الله عليه وسلم - : «دعوها فإنّها مأمورة».

ثمّ جاء إلى بني مالك بن النجّار حيث منزل أبي أيّوب الأنصاري، فبركت الناقة لوحدها ولكنّها لم تُفَحِّج(2) ولم تحطّ بطنها على الأرض، وثبت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فوق ظهرها ولم ينزل؛ لأنّه أدرك أنّ الناقة لم تبرك للاستقرار، بل بركت بروكا خفيفا، ثمّ نهضت ودارت دورة أخرى، وتلفّتت إلى الوراء ثمّ رجعت، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل شيئا، لا يحرّكها ولا يسوقها، والصحابة ينظرون، فرجعت إلى المنزل الأول وفحّجت(3) رجليها وبركت حتى حطّت بطنها على الأرض، في ذلك الوقت، نزل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم: «هذا هو المنزل إن شاء الله».

فالله تبارك وتعالى هو الذي اختاره له، ولم يقل له: اختر أنت مكانا، بل: اركب هذه الراحلة ودعها تمشي فحيث استقرّت فثمّة مكان المنزل.

(1) … «وهم أخواله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمّ عبد المطلب جدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم». (من كلام الشيخ).

(2) … نطقها الشيخ بتقديم الجيم على الحاء.

(3) … نطقها الشيخ بتقديم الجيم على الحاء كذلك.

٢٤٠ / ٤٥٥