في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٤٢

والقصواء هي التي قُطع شيء من أذْنها سِمةً لها، فكانت عادة العرب أن يَسِموا إبلهم بقطع جزء من الأذن أو بشقّها أو بقطعها على شكل خصوصيّ أو بطبعها بالنّار على الفخذ أو على الأذن، لكي تتميّز إبل فلان عن إبل فلان، فكانت ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - التي هاجر عليها مقطوعا شيء من أذنها؛ فسُمّيت بالقصواء. وكانت ناقة مهريّة قويّة، حتّى ورد في بعض الآثار أنّه لا توجد ناقة تستطيع حمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي إلا هي لثقل الوحي: ﴿اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾(1) ، ومثلما قالت عائشة(2) : «يكون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه على فخذي، فإذا جاءه الوحي أحسّ فخذي كادت ترضّ»؛ أي تكاد تنشقّ من شدّة الثقل، وهذا شيء لا نعلمه لولا أنّ عائشة -رضي الله عنها- حدّثت به والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أشدُّه عليّ» عندما سئل: «كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟» فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنيّ وقد وعيت ما قال لي… »(3) ، ولا ندري هذه الشدّة ما هي، إنّما علم هذا عند الله.

قالوا في هذه الناقة أنّها تستطيع حمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حال نزول الوحي عليه، أمّا إن جاءه الوحي وهو على ناقة أخرى، فإنّها تبرك، فيا سبحان الله!!.

وبقيت القصواء عند النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى موته، فتركها الصحابة ترعى في الغَرْقَدِ حيث توجد الآن مقبرة المدينة البقيعُ، يقال مقبرة البقيع، ويسمّى المكان بقيع الغرقد،

(1) … سورة المزمل: الآية 5.

(2) … بل هو زيد بن ثابت -رضي الله عنه- الذي قال: « أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن تُرَضَّ فخذي» (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ، رقم: 3492).

(3) … (أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، باب: بدء الوحي، رقم: 2). ونصُّ الحديث كاملا هو: عن عائشة أمّ المؤمنين-رضي الله عنها- أنّ الحارث بن هشام -رضي الله عنه- سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل ليَ الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول». قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا.

٢٤٢ / ٤٥٥