في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

هم بعائلاتهم نزلوا عند بعض العائلات، وبعض العزّاب نزلوا عند سعد بن خيثمة وكان أعزبا، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يذهب إليه في بيته خلال الأيّام التي أقامها في قباء فيجتمع فيها مع الصحابة؛ لأنّها دار فارغة ليس فيها عائلة.

ويروي أبو أيّوب -رضي الله عنه- أنّه كانت تأتي في كلّ يوم ثلاث أو أربع قصعات بالتناوب، يعني أنّ الأنصار قسّموا أنفسهم بالدّور فلكلّ واحد منهم يومُه الذي يبعث فيه للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قصعته، فكانت الأيّام دُوَلا بينهم، إلا سعد بن عبادة -رضي الله عنه-، فقصعته تُطبخ وتذهب للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كلّ يوم، ولم يقبل التناوب مع أحد.

ومكث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سبعة أشهر في بيت أبي أيّوب ريثما يُبنى المسجد و[تُبنى] المنازل.

وكان أبو أيوب -رضي الله عنه- بدوره وطوال تلك المدّة، يصنع للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - طعاما خاصّا في بيته فينزله إليه؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - يسكن في الطبقة الأرضيّة، أمّا أبو أيّوب ففي العُلْوِ.

يقول أبو أيّوب: «كنت آخذ الطعام إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كلّ يوم، وعندما يرجعه لنا، أنظر أنا وزوجي موضع يده فنأكل منه للبركة»، كان - صلى الله عليه وسلم - لا يُسوِّيه كما نفعل نحن في قصعاتنا، إذ يأكل الواحد منّا ولما ينهي، يسوّي ما يليه، وكأنّ لسان حاله يقول: «لكي لا يظهر أنّي أكلت كثيرا»، وكأنه عيب!!، وهل في الأكل الكثير خجلٌ؟!، لا، بالعكس فالذي دعاك لوليمة أو مأدبة سيقول لك: «بارك الله فيك، لقد أكلت أكثر من هذا الذي لا يريد أن يأكل»، وليس من المعقول أن يُقدِّم أحد طعاما، وهو يريد أن يرجع إليه، والمثل العاميّ يقول: «اللِّي ودَّكْ بَطْعامْ وَدُّوا بَلْمَاكْلَه»(1) .

إذن فما الدّاعي إلى تسوية الإناء بعد الأكل؟!، وهذا أبو أيّوب وزوجته يأكلان من حيث كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يأكل، فلم يكن إذن يسوّي ما فضل في الإناء.

(1) … وهذا المثل معناه: من عبّر عن حبه لك بتقديم الطعام إليك، فعبّر له أنت عن حبّك له بأكلك طعامَه الذي قدمه إليك.

٢٤٤ / ٤٥٥