في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

اشترى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك المربض -الذي كان لجمع التمر- من أهله الذين قالوا له: «نعطيه لك يا رسول الله».

فقال: «لا، ثامنوني».

فدفع لهم ثمنه وأمر الصحابة بالبناء، أمر باللّبِن فصُنع وبالأسس فحُفرت، وأسّسه مربعا، وكانت مساحته أوّل مرّة، حوالي سبعين ذراعا، وبعد ثلاث أو أربع سنوات وسّعه إلى مائة ذراع طولا ومائة عرضا، وذكرنا بأنّ الأساس كان عمقه نحو ثلاثة أذرع وكان كلّه بالحجارة، وعندما استوى فوق الأرض، بُنِي باللبن المضروب من الطوب.

والعلماء لم يتركوا شيئا، فذكروا حتّى كيفيّة وضعه للّبن، فلمّا بناه أوّل مرة، وضع لبنة فوق لبنة، ومن بعدُ لما جدّد بناءه ووسعه، جعل لبنتين من فوقهما لبنتين متعاكستين مثلما نبني الآن؛ لأنّه لا يمكن أن تأتي [لبنة] واحدة فقط فوق أخرى وهي معاكسة لها، بل وضع اثنتين اثنتين؛ لكي يكون الحائط عريضا ومتينا.

بهذه الطريقة بُني المسجد النبويّ.

وجعل من الأبواب ثلاثة، باب من الوراء وآخر عن اليمين وثالث عن الشمال، ووقتئذ لمّا بناه كانت القبلة إلى بيت المقدس بالشام، وسيأتي الحديث عن تحويلها إلى البيت الحرام.

والعُلْوُ كما وصفه الذين شهدوه وذرعوه قالوا: «بسطة»؛ يعني بقدر القامة، إذ يستطيع أحد لمس السقف بمجرد مدّ يده.

والبناء كان كلّه باللبن، إلا عتبات الباب فإنّها كانت بالحجر، أمّا السواري - أي الأعمدة- فكلّها من جذوع النخل، رتّبها مصفّفة، وجعل بين كل ساريتين عوارض -مثلما نقول الآن: «زواجل»(1) -، والسقف من

(1) … جمع زاجل -بفتح الجيم وكسرها-: خَشَبة تُعْطَف وهي رَطْبة حتى تصير كالحَلْقة، ثم تُجَفَّف فتجعل في أَطراف الحُزُم والحِبال. وقيل: هو العود الذي يكون في طَرَف الحبل الذي تُشَدُّ به القِرْبة. (ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص301، مادة: زجل).

٢٥٣ / ٤٥٥