في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٦

وبنى لابنته فاطمة -رضي الله عنها- بيتا جهة المشرق خلف بيوته، والآن -لمن يتذكّر- عندما يقف أحد مقابلا لقبر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويمشي عن يمينه إلى أن يستدير لكي يخرج إلى صحن المسجد، يجد بيت فاطمة. إذن بيوته جاءت من جهة القبلة ثمّ من جهة الشرق وجهة الشمال، أمّا من جهة الغرب فلا يوجد، المبدأ من هناك حيث يوجد المحراب الذي كُتب فيه: «مصلّى الرسول»، وهو محرابه الأوّل للصلاة عن يمين الخارج، وثَمّة حدّ المسجد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - .

ترك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بيوته على هذه الحال، وفي يوم من الأيام سافر فخطر ببال أمّ سلمة -رضي الله عنها- أن تبنيَ باللّبن، ففعلت، ولمّا رجع [ - صلى الله عليه وسلم - ] ودخل بيتها وجد أنّها قد غيّرت وبدّلت فيه، لم تزد أو تنقص فحسب، إنّما بدّلت. فقال لها: «ما هذا يا أمّ سلمة؟!، ما هذا البناء؟!».

فقالت: «يا رسول الله، أردت أن أصرف أبصار الناس»؛ لأنّ ذلك البنيان المطيَّن قد يسقط منه شيء فتنكشف، فقالت له: «أردت أن أبعد أعين الناس وأجعل شيئا أحوط في الستر». وطبعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم ولن يرضى أن يطلّ أحد على أهل بيته، وحاشاه أن يكون كذلك، وإنّما اعتلّت بهذا.

فقال لها: «يا أمّ سلمة، إن شرّ ما يُصرف فيه مال المسلم، البنيانُ»(1) ، وكرّر لها ما قاله للصحابة آنفا: «الأمر أعجل من ذلك».

وجعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لبيوته -خاصّة لبيت عائشة- بابا إلى المسجد، فلا يوجد لها مخرج آخر.

(1) … وردت الحادثة في الطبقات الكبرى لابن سعد، وفيه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا غزا دومة الجندل بنت أمّ سلمة حجرتها بلبن، فلمّا قدم رسول الله فنظر إلى اللبن دخل عليها أول نسائه فقال: «ما هذا البناء؟» فقالت: «أردت يا رسول الله أن أكفّ أبصار الناس»، فقال: «يا أمّ سلمة إنّ شرّ ما ذهب فيه مال المسلم البنيانُ». (ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج8، ص167).

٢٥٦ / ٤٥٥