في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

تقول عائشة -رضي الله عنها- بأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عندما يرغب أن أمشط له شعره وهو معتكف في المسجد، يجلس في عتبة الباب -أي أنّه يجلس في المسجد وهي داخل البيت- فترفع الستار، ويتّكئ برأسه إلى بيتها فتسرّح له شعره وتطيّبه؛ لأنّه وقتَ الاعتكاف لا يدخل ولا يخرج من المسجد ولو قدر تلك العتبة، فداخل بيت عائشة لا يعتبر مسجدا، وبيوته كلّها لا تُعتبر مسجدا ولو كان بابها إلى المسجد، فكانت هذه عادته - صلى الله عليه وسلم - عند الاعتكاف.

[توسيع المسجد وهدم بيوته - صلى الله عليه وسلم - ] :

توسيع المسجد وهدم بيوته صلّى الله عليه وسلّم

دام مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على هذا الحال إلى زمن عثمان -رضي الله عنه- حيث أمر بتوسيعه ولكن ليس إلى جهة القبلة بل إلى الجهات الأخرى، وبقيت البيوت على حالها إلى زمن الوليد بن عبد الملك الذي جاء بعد الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ثمّ عهد معاوية بن أبي سفيان، وبعد معاوية يزيد، وبعد يزيد يأتي عبد الملك بن مروان، ثمّ ابنه الوليد بن عبد الملك، فقرّر هذا الأخير أن يوسّع المسجد ولكن هذه المرّة إلى كلّ الجهات حتّى جهة القبلة؛ وبالتالي إدخال كلّ حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد مثلما هي الآن، وكان الوالي على المدينة آنذاك عمر بن عبد العزيز، فجاءه أمر الملك؛ لأنّ مقرّ الملك كان في دمشق، وقد كانت المدينة هي مقرّ الخلافة زمن الخلفاء الراشدين(1) ، ثمّ نقلها معاوية إلى الشام وجعل العاصمةَ دمشق.

أرسل الوليد بن عبد الملك إلى والي المدينة كتابا يأمره فيه بهدم البيوت وإدخالها إلى المسجد، وهنا يروي أصحاب السيرة ماذا حدث.

الصحابة رضوان الله عليهم شقّ عليهم الأمر جدّا، وبكوا كثيرا وقتئذ؛ لأنّه كانت لديهم في الحجر ذكريات، فهم في المسجد يرون حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمامهم مثلما

(1) … لم يشر إلى أنّ عليا كرّم الله وجهه نقلها إلى الكوفة بعد واقعة صفّين.

٢٥٧ / ٤٥٥