في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨هي لم تُمسَس أصلا، وفي هذا حقيقةً ذكرى غريبة، إذ تُذكِّر أحدهم كلّما دخل وخرج بقدوتهم، فهذه هي بيوت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما هي، الأرض نفسها، الجدران نفسها، الأبواب نفسها…، فأصبح من الصعب أن يتحمّل قلب المؤمن هدم ونزع ذلك الأثر كلّه، فبكوا بكاء شديدا.
ويروي بعض التابعين الذين حضروا ذلك العهد ماذا حدث أيضا وهذا كثير في السيرة.
يقول عطاء الخراساني: «أدركت حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من جريد النخل، على أبوابها المُسوح من شعر أسود، وحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يُقرأ بأمر إدخال حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في مسجده، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. وسمعت سعيد بن المسيّب يقول يومئذ: والله لوددت لو أنّهم تركوها على حالها، ينشأ ناس من المدينة ويقدِم القادم من الأفق، فيرى ما اكتفى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فيكون ذلك مما يُزهِّد الناس في التكاثر والفخر».
وقال عمران بن أنس بن أبي أنس: «لقد رأيتني في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه نفر من أصحابه كأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل وخارجة بن زيد، لما نُقضت حجر أزواجه - عليه السلام - وهم يبكون حتى اخضلّت لحاهم من الدّمع».
وقال يومئذ أبو أمامة: «ليتها تُركت حتّى يقصر الناس من البنيان، ويروا ما رضي الله عزّ وجلّ لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - ومفاتح الدنيا بيده».
إذن يقول عطاء الخراساني -وهو أحد التابعين-: إنّه أدرك حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مثلما هي، زريبة مطيّنة بطين، وعاش إلى ذلك اليوم الذي جاء فيه أمر الملك الوليد بن عبد الملك من دمشق لكي يُقدِم والي المدينة عمر بن عبد العزيز على هذا العمل، ولا بدّ أن يُقرأ الأمر الذي صدر بهدم البيوت وإدخالها في المسجد على عامّة المسلمين. قال عطاء الخراساني: حضرت اليوم الذي جاء فيه الكتاب، فاجتمع الناس