في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩كلّهم في المسجد وقرئ كتاب الوليد، بهذا أمر السلطان، لقد أمر أن يُوسَّع المسجد إلى جهة القبلة.
قال عطاء: لم أر في حياتي كثرةَ البكاء التي رأيتها يومئذ، كلّ الذين في المسجد -خاصة الصحابة والتابعون- شقّ عليهم الأمر وبكوا بكاء شديدا، فليس من السهل أن يُهدم -مثلما قلت آنفا- أثرٌ مثل هذا ولا تتأثّر قلوب المسلمين ولا تدمع عيونهم، حتّى قال سعيد بن المسيّب رحمه الله أحد كبار التابعين وعلمائهم: والله لوددت وتمنّيت لو تركوها، ينشأ ناس المدينة؛ أي الصّغار والذين يولدون في المدينة، ويفد من هو خارجَها، فيرون أين كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسكن، وكيف كانت حُجَرُه، فيكون ذلك ذكرى تنفع مثلما قال تعالى: ﴿…فَإِنَّ الذِّكْرَىا تَنفَعُ الْمُومِنِينَ﴾(1) ، وحُجَرُه من الذكريات التي تنفع، إنّما -يقول ابن المسيّب- لو تركوها فيرى من لم ير من أهل المدينة من الصغار والذين سيولدون بعدُ والذي يأتون من بعيد فيعتبروا ويقصروا، ولكي لا يعطوا للدنيا قيمة أكثر ممّا تستحقّ، وينقصوا من التكاثر والتفاخر.
وكان أصحاب هاتين الروايتين المتقدمتين حاضرين عندما قرئ كتاب الملك.
ثمّ يروي عمران بن أنس الذي حضر عمليّة نقض البيوت فيقول: كنت في المسجد يوم وقع هدم حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . فذكر بعض وجوه الصحابة الذين كانوا حاضرين؛ لأنّه وإلى ذلك الوقت كان كثير من الصحابة موجودين. قال: «رأيتهم يبكون حتّى اخضلّت لحاهم»، لم يملكوا دموعهم، يعني أنّ لحاهم أصبحت رطبة من الدموع، وكانت تقطر بها.
وقال أبو أمامة: «يا ليتهم تركوها لكي يرى الناس ما ارتضاه الله تبارك وتعالى لنبيّه من هذه الدنيا ومفاتح الدنيا بيده»، لم يكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقتئذ فقيرا، بل كانت في يديه أموال بني قريظة وأموال بني النضير وبني قينقاع، يهود المدينة
(1) … سورة الذاريات: الآية 55.