في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

التجار والأغنياء فكلّهم أبيدوا وذهبوا، وأصبحت أموالهم كلّها بيده - صلى الله عليه وسلم - وقد فتحت خيبر، ويهود خيبر من أشدّ اليهود ومن أغناهم، وبدأت الفتوح وغنم ما غنم وأمسك ما أمسك على أسارى بدر، فأصبح بيت مال المسلمين قويّا، فلو أراد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يبنيَ بالذهب والفضّة لفعل، زيادة على أنّ الله تبارك وتعالى عرض عليه ما يحبّ من الدنيا، فلو أراد لأوتي ملكا أكثر ممّا أوتي سليمان - عليه السلام - الذي قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي ِلأَحَدٍ مِّنم بَعْدِيَ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾(1) ، ولكن لم يقبل شيئا، لم يبدّل ولم يغيّر شيئا من بيوته أبدا، تلك الحجر من اللبن، والتقسيم الذي كان بداخلها -مثلما قلنا- بالزرب المبلّط بالطين، هذه هي البيوت التي سكنها حتّى لقي الله تعالى، وسيأتينا ما قاله [لابنته] فاطمة فيما بعد.

الشاهد عندما قال أبو أمامة -رضي الله عنه- أحد وجوه الصحابة: «تمنّيت لو تركوها ينشأ من ينشأ من أهل المدينة ويأتي من يأتي من الخارج، فيروا ما رضي الله تعالى لخير خلقه من هذه الدنيا».

وهكذا تمّ هدم الحجر وإدخالها في المسجد، وليس في هدمها إهانة للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أن قصد الخلفاء الذين هدموها كان سيّئا، لا، إنّما قصدوا من وراء ذلك توسعة المسجد، فالمسلمون في تكاثر، والناس يدخلون في دين الله أفواجا مثلما أنزل الله تبارك وتعالى في أواخر عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا…﴾(2) ، وقد كانت تمرّ الشهور والأعوام ولا يدخل أحد في الإسلام، وإن كان فواحدا واحدا، ومن بعدُ أصبح الناس يدخلون بالجماعات والقبائل؛ إذن كان لزاما أن يُوسَّع المسجد بالكيفيّة التي تحوي المسلمين.

(1) … سورة ص: الآية 35.

(2) … سورة النصر: الآيتان 1-2.

٢٦٠ / ٤٥٥