في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

واليوم قد رأيتم من الغرائب كيف أنّ مكّة كادت تكون كلّها مسجدا، طبقات فوق طبقات يجتمع فيها مائتان وخمسون ألفا ومليونا(1) من الوافدين الواقفين بعرفات، أمّا إذا أضيف أهل مكّة إلى هذا العدد، فهو شيء كبير جدا،

يعني أنّ دخول الناس في دين الله أفواجا كان في عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . وبعد ذلك وفي زمن الخلفاء الراشدين؛ توسّعت الفتوحات إلى جهة الشام والعراق وفارس ومصر، فكان شيئا يحتاج حقيقةً إلى توسيع المسجد إلى أبعد حدّ، فلا يَظُنّنّ أحد ويقول إنّ هذا من سيّئات الأمويّين أو بني مروان، لا أبدا، بل الضرورة اقتضت ذلك، إنّما احتُفظ -مثلما هو الآن- بالأصول، فمن يسأل المطوّفين العارفين سيبيّنون له كيف كانت حدود المسجد زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومن جهة القبلة احتُفظ ببيت عائشة وبالبيت المتّصل بها إلى بيت فاطمة.

تلك قصّة بيوته - صلى الله عليه وسلم - ، وحقيقةً يتمنّى أحدنا من كلّ قلبه أن لو رأى هيئة الحجر كما كانت، ويتبرّك بلثمها ولمسها والتمرّغ حتّى في ترابها، ولكنّ مصلحة الإسلام والمسلمين اقتضت هذه التوسعة.

[هي بنت أبيها -رضي الله عنها-] :

هي بنت أبيها رضي الله عنها

اتّخذ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لابنته فاطمة -رضي الله عنها- بيتا، وهو كما وصفته أوّل مرة(2) ، وكانت أحبّ بناته إليه - صلى الله عليه وسلم - ، أمُّ الحسنين، زوج الإمام عليّ، سيّدة أمّ الشرفاء، وجعل بين بيته وبيتها خوخة(3) يطلّ منها ويسأل عن حالها وحال زوجها عليّ كرّم الله وجهه،

(1) … هذا في السبعينات من القرن الماضي، أمّا الآن فقد تضاعف العدد.

(2) … لم يصفه، ولعلّه يقصد أنّه مثل البيوت الأخرى التي وصفها.

(3) … «الخَوْخَةُ لفظ عربي مُستَعمل، وهو الباب الصغير الذي يُجعل بين محلّين، مثل الأبواب التي تُجعل الآن بين الجيران يقضون بها مصالح بعضهم، ولا يمكن أن يدخل منها أحد إلا مطأطئ الرأس. والخوخة كذلك هو الباب الصغير في الباب الكبير، مثلما نرى ونشاهد في أبواب المحلات الكبيرة كالمستودعات، باب كبير من الحديد أو من الخشب في وسطه باب صغير للدخول والخروج، فلا يُفتح الباب الكبير في كلّ وقت، وهذا يدلّ على أنّ بعض الأفكار -التي قد يخطر ببال أهل العصر وكأنّهم هم الذين ابتكروها الآن فقط- موجودةٌ من قديم العصور». (من كلام الشيخ).

… الخَوْخة مُخْتَرَقُ ما بين كل دارين، وعمّ به بعضهم فقال: هي مُخترق ما بين كلِّ شيئين. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص14، مادة: خوخ).

٢٦١ / ٤٥٥