في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

الصلاة، ولكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقل -شفقةً على ابنته فاطمة التي يحبّها حبّا شديدا(1) -: لا أُزعجها، بل أتركها تنام قليلا وتستريح. وربّما بعض الآباء تحملهم الشفقة على أبنائهم بهذا فلا يزعجونهم ولا يوقظونهم بحجّة أنّه تعبٌ وأنّ الظلام لا يزال مخيِّما… !! لا أبدا، بل الشفقة على الولد أن تدقّ عليه باب غرفته لكي ينهض ويتعوّد القيام، وذلك ما كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله كلّ يوم مع ابنته فاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما.

كان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ فاطمة حبّا شديدا كما قلنا، وكان من عادته أنّه إذا عاد من سفر غزوٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ، يذهب إلى بيت فاطمة يُقبِّل رأسها ويبقى معها ويطيل الجلوس إيناسا لها.

وفي مرّة من المرّات، رجع - صلى الله عليه وسلم - والإمامَ عليّا كرّم الله وجهه من إحدى الغزوات ودخل على فاطمة كعادته، وفاطمة لمّا علمت بمقدم أبيها وزوجها، أرادت أن تتزيّن، فاتّخذت مسّاكتين من ورق، واتّخذت قرطين(2) ، واشترت قماشا جيّدا اتّخذت منه ستارا على الباب.

جعلت هذا الستار الجميل ولبست هذه الفضّة فدخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عليها وكان أصحابه خارج البيت، وعادته كما قلنا أن يدخل ويبقى معها طويلا إلاّ هذه المرة، فبمجرّد دخوله خرج، وعُرف الغضب في وجهه، ولمّا خرج رآه الصحابة منزعجا، فما مقدار إزعاج ابنته له؟!.

ذهب وهو ساكت لم يتكلَّم.

فهمت فاطمة -رضي الله عنها- أنّ أباها خرج وهو غضبان دون أن يقول لها شيئا، بل سلّم عليها وخرج، وفي تلك اللحظة نزعت تلك الأقراط التي في أذنيها، والسوارين اللذين

(1) … «ولا يوجد أب يحبّ ابنته أكثر من حبّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة -رضي الله عنها- ». (من كلام الشيخ).

(2) … «لعلّكم تتخيّلون أقراطا تزن رطلا أو أكثر!!، لا، إنّما هو شيء تشغل به أذنها فحسب». (من كلام الشيخ).

٢٦٣ / ٤٥٥