في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

في ذراعيها، والقلادة(1) التي في عنقها، ونزعت الستار وطوت فيها تلك الأشياء ونادت الخادم فقالت له: «خذ هذا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقل له: ابنتك تقرئك السلام وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله». فلمّا بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الكلمات وبلغته تلك الأشياء، اغتبط وفرح فرحا شديدا وقال: «أو قد فعلت؟! فداها أبوها»، وكرّرها ثلاث مرات.

وقتئذ قام وذهب إليها وقال لها: «يا فاطمة، الدنيا ليست من محمّد ولا من آل محمّد(2) ، لا هي منّا ولا نحن منها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شَربة ماء»(3) ؛ أي لو كان للدّنيا عند الله قيمة ولو قدر جناح بعوضة من الخير، لما نال الكافر شربة ماء، ولكن لمّا كانت لا قيمة لها؛ لأنّها زائلة فانية، ترك الناسَ يسرحون فيها ويمرحون، وأعطى الكفرةَ فيها ما لم يعط المؤمنين. وهذا حديث مهمّ يعدّل لنا جيّدا نظرنا إلى الدنيا، ويفهمنا القيمة الحقيقيّة لها، فلا قيمة لما يفنى في مقابل ما يبقى.

ثمّ قام - صلى الله عليه وسلم - إلى فاطمة وهو راض عنها.

وحقيقة هي بنت أبيها وبضعة منه، فهمت منه أنّه منزعج غاضب دون أن ينبس ببنت شفة بل تركها تدرك ذلك لوحدها، وهذا نوع من التربية والتهذيب.

وقد يتساءل سائل فيقول: «وما هي قيمة كلّ هذه الأشياء التي جعلَتها فرَحا بمقدم أبيها وزوجها؟!»، ولكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يريد مثل هذه الزينة.

(1) … لم يذكر القلادة لما ذكر الأشياء التي تزيّنت بها فاطمة.

(2) … «وآل محمّد هم أرحامه وأقاربه والمؤمنون به المتّبعون لسنّته». (من كلام الشيخ).

(3) … أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- بلفظ: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة فرأى شاة شائلة [الناقة التي شال لبنها؛ أي ارتفع] برجلها فقال: «أترون هذه الشاة هيّنة على صاحبها؟» قالوا: نعم، قال: «والذي نفسي بيده، للدّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». (الحاكم، المستدرك: كتاب: الرقاق، رقم: 7917).

٢٦٤ / ٤٥٥