في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥تصدّق - صلى الله عليه وسلم - بما بعثت له، وشقّ ذلك الستار قطعا وفرّقه على بعض أصحابه.
[فلنولّينّك قبلة ترضاها] :
فلنولّينّك قبلة ترضاها
وممّا بقي في مسألة بناء المسجد، أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يحوّل القبلة إلى الكعبة بعد أن أذن الله تبارك وتعالى له بذلك؛ لأنّه صلّى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وبيت المقدس يقع في اتّجاه معاكس للكعبة تماما، وفي الفترة المكيّة كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يستقبل بيت المقدس ويصلّي، يقف ما بين الركن اليمانيّ والحجر الأسود، فهو إذن يتّجه إلى الكعبة ويجعلها بين عينيه، فلمّا هاجر إلى المدينة، أصبح إذا اتّجه إلى بيت المقدس، يستدبر مكّة؛ لأنّ الشام من جهة الشمال ومكّة من جهة الجنوب، وذلك الذي شقّ عليه، فكان يطلب الله تعالى ويتمنىّ أن تتبدّل القبلة، فاستجاب الله له، وذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(1) .
وعندما أراد أن يبني المحراب في اتّجاه الكعبة، استعان ببعض الصحابة الحذّاق الذين يعرفون جغرافيّةَ الأرض، والمسافةُ بين مكّة والمدينة بعيدة، حوالي خمسين وأربعمائة كيلومترا، يتخلّلها جبال ووهاد وأودية، ولكي يهتدي ويجعل محرابه مقابلا للكعبة تماما فإنّ الأمر صعب، وفي الحال وبعد أن شرع في اتّخاذ الأسباب وباشر العمل، جاءه جبريل - عليه السلام - وقال له: «ستبني المحراب وأنت ترى الكعبة»، ثمّ أشار إلى جهة الكعبة فأظهرها الله تبارك وتعالى، فأصبحت بين يدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، لا جبل ولا حجر ولا شجر أبدا، كأنّها زالت.
فبنى المحراب وجعله متّجها إلى الكعبة وبالضبط إلى جهة الميزاب الذي يصبّ وسط الحطيم، تلك القطعة التي أزيلت من الكعبة.
(1) … سورة البقرة: الآية 144.