في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦ولمّا فرغ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من البناء، أشار جبريل مرّة أخرى فرجع كلّ شيء إلى مكانه، والله تبارك وتعالى قادر على كل شيء، فلا يأتينّ أحد ويتفلسف بقوله: «كيف ذلك؟!، هل أزيحت الجبال أم نزلت أم صعدت؟!»، هذا شيء لا دخل لنا فيه، إنّما الله تبارك وتعالى خالق الأبصار، قادرٌ على أن يجعل لنبيّه بصرا يخترق كلّ مادّة فيرى الكعبة أمامه، وقادر على أن يدكّ الجبال ثمّ يردّها، وقادر على كلّ شيء، هذا أمر الله وليس أمرنا نحن، إنّما علينا أن نؤمن ونصدّق، فنحن قد صدّقنا بكرامات أكبر وأعظم، تماما مثلما أجاب أبو بكر -رضي الله عنه- المشركين لما جاءه أبو جهل يقصّ عليه ما حدّثهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قضيّة الإسراء، وهذا لكي يتراجع عن إيمانه، فقال له أبو جهل: «تعال انظر كِذبة صديقك، هو يقول إنّه كان الليلة في بيت المقدس وأصبح هنا معنا!!».
فقال له أبو بكر فورا: «نعم، وماذا هذا؟!، إنّه صادق فيما يقول»، والشاهد في الكلمة الثانية إذ أردف قائلا: «بل أصدّقه فيما هو أبعد من هذا، فأنا آمنت بالخبر -الوحي- يأتيه من فوق سبع سماوات، وأنتم تشكّكونني في ذهابه إلى بيت المقدس ورجوعه في ليلة واحدة!!»، فأيّهما أبعدُ: مصدرُ الوحي أم بيت المقدس؟!
[إذ يقول لصاحبه… ] :
إذ يقول لصاحبه…
أولئك الذين شرح الله صدورهم للإسلام، فتلك حجّة دحضهم بها، وكثير من الناس قد لا تحضرهم حجّتهم في مثل هذه اللحظات الحرجة، ولذلك سُمّي بالصدّيق. وبهذه المناسبة تذكّرت كلمة في صحبة أبي بكر -رضي الله عنه- تخطر ببالي مرّات وأنساها(1) ، فالصحابي هو: كلّ من رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وآمن به، أمّا الذين رأوه وهم دون البلوغ، فيُلحقهم الكثير بالصحابة، ولكن في صحبة أبي بكر كلام خاص. يقول
(1) … وهذا من أسلوب الشيخ رحمه الله في الوعظ؛ إذ كثيرا ما كانت تخطر له بعض الخواطر لم يكن حضّرها من قبل، فيلقيها في حينها، ويسمّيها بـ: «بنات اللحظة».