في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٢

من لم يدرس الهجرة ولم يهتمَّ بها ولم يُقم لها وزنا ولم يتعرّف على الوسائل والأسباب والأسس التي يجب أن ترتكز وتتمكّن حتّى يعلو عليها بنيان؛ لا يمكن أن يتصوّر الصعوبات التي واجهت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في سبيل بناء أوّل دولة إسلاميّة بالمدينة مِنْ لاشيء، وبناءِ قوّة يجابه بها كلّ العالم لا العرب وحدَهم؛ [لأنه - صلى الله عليه وسلم - بُعث للعالمين كما قال تعالى: ] ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ﴾(1) ، فكيف سيبني هذه الدولة وهذه الأمّة؟، وكيف سيُكوِّن هذه القوّة التي يُعدّها لمهاجمة كلّ من يقف في سبيل تبليغ دين الله؟.

[المشكل الأوّل: إيواء المهاجرين] :

جاء النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لقوم غير قومه ووطن غير وطنه؛ لأنّ الوطن الذي تربَّى فيه هو مكّة، والمهاجرون خرجوا من مكّة وتركوا ديارهم وأموالهم كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا…﴾(2) ، فمشكل المهاجرين هذا من أوّل المشاكل التي واجهته - صلى الله عليه وسلم - ، ونعرف في سياسة اليوم أنّ المهاجرين من وطن إلى وطن -أو كما نقول بالتعبير العصريّ: «مشكل اللاجئين» بصورة جماعيّة- من المشاكل التي تواجه العالم.

هؤلاء المهاجرون الذين قدموا من مكّة، وهؤلاء الذين يفدون على المدينة من كلّ جهة للإسلام والاستقرار فيها، فهل في المدينة من الوسائل ما يحويهم ويكفيهم؟.

ونحن نرى اليوم كيف أنّ البلاد تضيق بالوافدين عليها، وأهلها يتذمّرون ويقلقون ويقولون: «لقد جاءنا من الشرق والغرب آلاف يسكنون معنا، والبلد لا تسع أرضها ولا تكفي مواردها». وهذا مشكل العالم في كلّ مكان، فالمدن تغصّ بمن يفد إليها من الخارج، والحكومات اليوم تعمل على ردّ سكّان الريف لكي لا يدخلوا

(1) … سورة سبأ: الآية 28.

(2) … سورة الحشر: الآية 8.

٢٧٢ / ٤٥٥