في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤شديدي التعصّب لقبائلهم، والحروبُ التي بينهم حروبٌ قبليّة، فكلّ قبيلة تريد أن تتسلّط على القبيلة الأخرى وتتحكّم فيها، وأهلُ المدينة الأوسُ والخزرجُ المنقسمون إلى اثني عشر عرشا -وهم قحطانيّون من اليمن- كانت بينهم حروب دامت قرونا، وآخر حرب كبيرة بينهم كانت يوم بُعاث، هذا اليوم الكبير المشهود الذي كان قبل البعثة النبوية ببضع سنوات، ومات في هذا اليوم عدد كبير من كلّ فريق، وكانت الغلبة للأوس على الخزرج وإن كانوا أقلّ عددا؛ فقبائل الأوس ثلاثٌ، وتسعٌ للخزرج، حتى إنّ أكثر الناس إذا خاطبوا أهل المدينة يقولون: «يا أيّها الخزرج»؛ أي يُعبّرون بالكثرة.
كانت العداوة مستحكمة فيما بينهم، ولعلّكم تذكرون الحادثة التي أوردناها في درس مضى لمّا جاء ستّة من شباب المدينة والتقوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مجيئهم لقضيّة خاصّة، فلمّا اجتمعوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعلم ما جاءوا به من أجله؛ قال لهم: «هل أدلّكم على خيرٍ منه؟»، وعرضَ عليهم الإسلام، فقبلوا وآمنوا به وعلى رأسهم أسعد بن زرارة -رضي الله عنه-، وقالوا له -الشاهد في هذه الكلمة-: «إنّ بيننا إحنا وحروبا، فإن أصلح الله بك بين قومنا؛ لا يكون على ظهر هذه الأرض أحبّ إلينا منك»؛ يعني أنّ أهل المدينة قد ملّوا الحروب الداخلية المعبّر عنها عندنا بـ: «الفتنة»، أو «الحروب الأهليّة»، فالحرب بين أقوام من وطن واحد أشدّ خطرا وأكثر إفسادا في الأرض من حرب العدوّ الخارجيّ، فالعدوّ الخارجيّ يمكن أن يردّه أهل الوطن إذا اتّحدت كلمتهم، ولكنّ الحرب إذا وقعت داخليّا وبين أهل القرية الواحدة والمدينة الواحدة، فتلك المصيبة العظمى التي تأكل الأخضر واليابس.
ولا تزال هذه العداوة مستحكمة بين الأوس والخزرج إلى قبيل البعثة المحمّديّة، ويريد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بهجرته تكوين دار إسلام، أو كما عبّرنا عنها قبل اليوم بـ: «العاصمة الأولى للمسلمين»، فكيف ستتكوّن هذه الدولة بين أقوام بينهم من العدوات والثارات والأحقاد ما لا يُعدّ؟!، هذا من جهة.