في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥ومن جهة أخرى، فالذين هاجروا من مكّة أشتاتٌ، وليسوا من قبيل واحد ولا من فريق واحد، نعم كانوا في مكّة، ولكنّهم موزّعون على قبائلها، فهذا من قبيلةٍ وهذا من قبيلةٍ أخرى، وفيهم الموالي أيضا الذين جاءوا من بعيد، فهذا مولى بني فلان وهذا مولى بني فلان…، كما كان بلال الحبشيّ وصهيب الروميّ وسلمان الفارسيّ وزيد بن حارثة…، فهم أشتات لا تجمعهم رابطة قبليّة عنصريّة حتى تُكوّن فيهم تماسكا.
فبين الأوس والخزرج إذن فتن وحروب ودماء، والذين هاجروا من مكّة أشتات، فكيف ستَتَكوّن بهم رابطة متينة يجابه بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - العالم كلَّه؟!، فكان لا بدّ من إصلاح ذات البين بينهم، ولا بدّ من تكوين رباط يمسكهم، حتّى يكُونوا كالذّرّات المتماسكة. وبالمثال يتّضح الحال، فيمكننا بمطرقة صغيرة من حديد -قدر ما يحمل الإنسان في يده- أن نهدم دارا؛ لأنّ ذرّات الحديد شديدة التماسك؛ فعلى قدر تماسك أفراد أيّ أمّة صغيرة مهما قلّ عددها، سيكون لها وزنها وستكون قادرة على أن تقابل فئات كثيرة مفكّكة العقيدة والأوصال، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَم بِإِذْنِ اللَّهِ…﴾(1) ، والفئة القليلة هذه لولا الرباط المتين الذي يربط بينها من العقيدة، ما أمكنها أن تنتصر على الفئات الكثيرة.
إذن، حقيقةً هذا مشكل عويص واجه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
ولماذا ذكرت هذا؟.
لكي نتصوّر الصعوبة التي قابلت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فالأمر ليس سهلا.
[التحاق من بقي في مكّة من المسلمين إلى المدينة] :
التحاق من بقي في مكّة من المسلمين إلى المدينة
مكث [النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة] بديار بني عمرو بن عوف أربعة أيّام وأسّس أوّل مسجد في الإسلام: {لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىا مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن
(1) … سورة البقرة: الآية 249.