في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦تَقُومَ فِيهِ…}(1) ، ثمّ ارتحل منها يوم الجمعة صباحا، وأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمّع ثمّة أوّلَ جمعة، والمسجد موجود اليوم، ثمّ ارتحل بعد صلاة الجمعة على ناقته حتى بركت به -كما تقدّم لنا في القصّة- عند بني النجّار أمام دار أبي أيّوب خالد بن زيد الأنصاري -رضي الله عنه-، وشرع في تأسيس المسجد هناك. فهذه أعمال تجري من جهة، وأعمال أخرى تجري من جهة موازية.
وبعث - صلى الله عليه وسلم - من يُحضر له من بقي بمكّة ممّن استطاع الهجرة، وكما تعلمون أنّه بقي فيها كثير من الصحابة، خاصّة المستضعفون منهم، فبدأ أوّلا بعائلته، إذ أرسل زيدَ بن حارثة وأبا رافع مولى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهما وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم حتّى يأتيا بسودة بنت زمعة زوجِه التي تزوّجها بمكّة بعد موت خديجة -رضي الله عنها-، ويأتيا بفاطمة وأمّ كلثوم بنتيه، وربّما يسأل أحد ويقول: «وأين هي رقيّة وزينب؟!». أمّا رقية فهي حينذاك مع زوجها عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- في الحبشة، وسيأتي بها إلى المدينة فيما بعد، وأمّا زينب -رضي الله عنها- فهي عند زوجها المشرك أبي العاص(2) الذي سيُسلم فيما بعد ويأتي بها، في قصَّة معروفة مذكورة في كتب السيرة. وبعث كذلك إلى مكّة عبدَ الله بن أبي بكر لكي يأتي بعائلة أبي بكر، وأحضر زيدٌ زوجَه أمَّ أيمن والدة أسامة بنِ زيدٍ حِبِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان في ذلك الوقت ولدا صغيرا، وأمُّ أيمن هي التي ربّت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وحضنته بعد موت أمّه آمنة.
وهاجر الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه الذي تركه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمكّة، لكي يودّيَ عنه الودائع والأمانات التي تركها الناس عنده ويفديَه بأن يبيت على فراشه ليضلّل المشركين، فردّ عليٌّ الأماناتِ وقطع المسافة من مكّة إلى المدينة على رجليه، وكان يسير الليل ويكمل بالنهار خوفَ الطلب، وما وصل المدينة حتّى
(1) … سورة التوبة: الآية 108.
(2) … أبو العاص بن الربيع، ختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنته زينب، اسمه لقيط بن الربيع بن عبد العزى، كان يسمى جرو البطحاء، توفي سنة 12للهجرة. (ابن حبان، مشاهير علماء الأمصار: ج1، ص31).