في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٧

تورّمت رجلاه وتشقّقت من المشي، ولمّا بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خبرُ مقدمه، بعث إليه يدعوه، فقالوا له: «يا رسول الله، إنّ قدميه متورّمتان من المشي، ولا يستطيع أن يأتيك»، فذهب إليه - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فعانقه وبكى لمّا رأى ما أصابه، ثمّ تفل على يديه الشريفتين ومرّر بهما على قدميه ورقاه، فزال عنه كلّ ألم، ويقولون إنّ عليّا لم يحسّ ألما في قدميه حتّى قُتل.

وهكذا اجتمعت عائلة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبقيت رقيّة وزينب اللتان ستقدمان لا حقا، أمّا المسلمون الباقون في مكّة فمن استطاع منهم الخروج خرج، ولم يبق إلا المستضعفون، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهم بالفرج في الصلاة؛ لأنّ المشركين بدؤوا يمكرون بهم، وفي الأصل أنّ المكر قد بدأ منذ بدء الدعوة، ولكنّهم شدّدوا عليهم وردّوا غيظهم وحنقهم فيهم.

[المؤاخاة بين المسلمين] :

المؤاخاة بين المسلمين

هذا من جهة، ومن جهة أخرى شرع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المؤاخاة، فآخى بين الأنصار أوّلا، وكتب لهم عقدا ينظّم عشائرهم وحقوقهم فيما بينهم، وضبط لهم أمر العاقلة(1) ، وجعل لكلّ قبيلة نقيبا.

ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان يَقْرن بين كلّ اثنين، أنصاريّ مع مهاجريّ، وهذا التآخي جعله النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بدل النسب، حتّى إنّهما -أي المتآخيان الأنصاريّ والمهاجريّ- يتوارثان كأنّها أُخُوّةُ نسبٍ، حتّى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَىآ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا…﴾(2) ، فنُسخ التوارث بهذا التآخي، وبقي الميراث بحسب النسب كما فصّله الله في سورة النساء.

(1) … «العاقلة هي: الدية التي تشترك في دفعها عشيرة القاتل خطأ [لأولياء المقتول] ». (من كلام الشيخ).

(2) … سورة الأحزاب: الآية 6.

٢٧٧ / ٤٥٥