في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٨

[يحبّون من هاجر إليهم… ] :

يحبّون من هاجر إليهم…

والأنصار رحمهم الله كانوا كما قال الله تبارك وتعالى، إذْ وصفهم وصفا غريبا: ﴿وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(1) .

ولا نفهم حقيقة هذا المقام للأنصار، إلا إذا تصوّرنا وأدركنا كراهية أهل الأوطان للمهاجرين الأجانب اليوم، فكما أشرت أوّل مرّة أنّ هذه طبيعة بشريّة، فربّما يُقبَل بعضُ أفراد، ولكن إذا كانت هجرةً لعدد كثير، فالغالب أنّ أهل الوطن تضيق صدورهم منهم، ويقولون إنّ هؤلاء ضيّقوا علينا بلادنا وزاحمونا حتّى في الماء والكلأ، وهذا شيء موجود في كلّ زمان ومكان، فهل ضاق الأنصار صدرا لما دفّت عليهم هذه الدافّة من المهاجرين؟، لا أبدا، بل يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، انظروا إلى هذا الوصف: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، وعلى الإنسان أن يفقه هذا الوصف، لماذا يقول الله تبارك وتعالى وينصّ على أنّهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؟، ومن لم يتفقّه تمرّ عليه الآية ولا يتنبّه لما فيها لعمق معناها، ولكن من درس طباع الاجتماع البشريّ وحقيقة أغراض الناس ومقاصدهم ونواياهم فيمن يهاجر إليهم، يفهم ويدرك قيمة هذا الوصف: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا لا يكون إلا نادرا، إلا إذا راعى أهل البلد فائدة أو مصلحة فيمن هاجر إليهم، كأن يوفّروا لهم الحماية مثلا، أو يدفعوا لهم مالا مقابل مكثهم، أو يحاربوا معهم ليردّوا عنهم البلاء…، وأمّا لغير هذا، فمن طبيعة أهل أيّ بلد أنّهم يكرهون المهاجرين، خاصّة إذا كانوا جماعات.

(1) … سورة الحشر: الآية 9.

٢٧٨ / ٤٥٥