في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٩فالله تعالى إذن مدح الأنصار وقال إنهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي يفرحون بهم، حتّى صاروا يتنازعون فيما بينهم، كلّ واحد يودّ أن يأخذ عددا من المهاجرين لينزلوا عنده فيأويهم ويقاسمهم ماله.
وهكذا نزل كلّ مهاجريّ عند أنصاريّ، ثمّ أحكم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الصّلة ووطّدها فيما بينهم.
وممّا مدح الله تعالى به الأنصار أيضا أنْ وصفهم بقوله: ﴿وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، والإيثار هو التخيير؛ أي يخيّرونهم، إذ يقول الأنصاريّ للمهاجريّ: «هذا مالي خذ منه ما شئت»، كما وقع بين عبد الرحمن بن عوف المهاجريّ الذي كان نازلا عند سعد بن الربيع الأنصاريّ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد آخى بينهما، فقال سعد لعبد الرحمن: «إنّني من أكثر الأنصار مالا، لك شطر مالي، ولي زوجتان، اختر أيّهما أعجبتك وسمّها لي لأطلّقها فتتزوجّها بعد أن تعتدّ»(1) .
فقال له عبد الرحمن: «لا أرزؤك شيئا من مالك ولا من أهلك، ولكن أرني سوقكم».
وكان عبد الرحمن بن عوف من الأغنياء في مكّة وماهرا في التجارة، وقريش كلّهم تجّار؛ لأنّ مكّة ليست بلد زرع حتّى يكون أهلها فلاّحين كأهل المدينة.
فأراه سوق بني قينقاع، وبنو قينقاع ضاحية في المدينة ومنزل من منازل اليهود.
وفي الصباح كان عبد الرحمن بن عوف هناك، فباع واشترى ورجع في الظهر ومعه ربح، وبعد أيّام قليلة جمع مالا وتزوّج، حتّى رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه آثار سُفرة؛ أي أمارةُ عرس، فقال له: «يا عبد الرحمن، هل تزوّجت؟».
(1) … «وإلى ذلك الوقت ما زال لم يأت التحريم في هذا الباب، ولم يُنَظَّم عقد النكاح بعدُ، أمّا العدّة فكانت معروفة من قديم وأقرّها الإسلام». (من كلام الشيخ). يقصد الشيخ بالتحريم: تحريمُ تطليق الزوجة ليتزوجها شخص آخر إيثارا؛ لأن في هذا إضرارا بالمرأة. والله أعلم.