في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠قال: «نعم».
قال: «كم أَصْدقتها؟».
قال: «نواة(1) من ذهب».
فالشاهد في هذه القصّة أنّ عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قد أصبح تاجرا حقيقيّا وربح وجمع قدر صداق وتزوّج وما أخذ من سعد بن الربيع -رضي الله عنه- دينارا ولا درهما ولا أرضا ولا نخلة، ومات وهو من أغنى الناس.
فالأنصار فتحوا قلوبهم وفتحوا بيوتهم للمهاجرين إذ قالوا لهم: «نقاسمكم كلّ شيء أنصافا»، ولكنّ المهاجرين لم يكونوا طمّاعين، بل كانوا كرام النفوس فلا يأخذون إلا مقدار الضرورة، ومن عرف أنّه لا يحتاج كعبد الرحمن بن عوف فلا يأخذ شيئا.
بهذه العاطفة وبهذا الحبّ المكين لبعضهم بعضا الذي مكّنه الله في قلوبهم بالإيمان، تكوّنت هذه الجماعة، كما يدلّ عليه الحصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(2) ، هذا مؤمن والآخر مؤمن إذن قد انعقد الإخاء بينهم، فبمجرّد دخولِ الإيمان الصحيح في القلب وتمكّنه فيه، تكوّنت جماعة متينة شديدة الاتصال ببعضها البعض، يحبّ بعضهم بعضا، ويؤثر بعضهم بعضا، لا يتنابزون بالألقاب، ولا يؤذي بعضهم بعضا، كما في الحديث: «المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يخذُله»(3) ؛ أي لا يضرّه بشيء، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمنون كالبنيان المرصوص»(4) ، أو كاليدين [يشدّ]
(1) … «والنواة هنا هي مقدار من الوزن، مثلما نعبّر نحن اليوم مثلا ونقول: أوقية». (من كلام الشيخ).
(2) … سورة الحجرات: الآية 10.
(3) … أخرجه ابن منده في كتابه الإيمان، ذكر صفة المؤمن المسلم التقي، رقم: 329.
(4) … أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُه بعضا». وشبّك بين أصابعه. (كتاب: المظالم والغصب، باب: نصر المظلوم، رقم: 2334).