في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}(1) .

ومن الغريب أن يكون تكوين هذه الجماعة بالمدينة في فترة وجيزة، فلم تكد تمضي ثمانية عشر شهرا من هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، حتّى كانت واقعة بدر الكبرى في شهر رمضان من السنة الثانية، والتي انتصر فيها المسلمون الذين كانوا قليلي العدد مقارنة بالكفّار بفضل إيمانهم وثباتهم ورسوخ العقيدة في قلوبهم، وبفضل تآزرهم وتناصرهم وتماسكهم، فاعْجَبوا لهذا!!.

[عقد معاهدات مع يهود المدينة] :

عقد معاهدات مع يهود المدينة

وفي نفس الوقت، لم يهمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جانبا آخر عظيم الأهمية، وهو جانب اليهود بالمدينة.

ففي المدينة جماعات من اليهود ينقسمون إلى ثلاث قبائل كبرى: بنو قريظة، بنو النضير، بنو قينقاع، ولديهم مساكن وحصون.

ويبني اليهود مساكنهم لا كما يبنيها العرب أكواخا أو بيوتا كما اتّفق، إنّما يبنون أبراجا محصّنة متينة مبنيّة بالحجارة، ويدلّ على هذا قوله تبارك وتعالى في القرآن لمّا وقعت الحرب بينهم وبين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾(2) ، والحصن هو برج متين مبنيٌّ بالحجارة بأشدّ ما يمكن أن يكون البناء على حسب العهد، الأسوار عالية متينة والأبواب كذلك، وتُغلّق الأبواب كلّ ليلة. هذه مساكن اليهود بالمدينة؛ ولذلك سُميت «حصونُهم» وكذلك «صياصيهم» في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ الذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن

(1) … سورة آل عمران: الآية 103.

(2) … سورة الحشر: الآية 2.

٢٨٣ / ٤٥٥