في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٥

عليهم، وكانوا يقرضونهم بالربا (Les intérêts) حتّى يكونوا دائمي الاحتياج إليهم، وهي عادة اليهود في كلّ زمان أين ما وُجدوا.

واليهود متّفقون فيما بينهم ولكنهم فرّقوا أنفسهم على قبائل العرب في المدينة، لكي تكون في كلّ قبيلة طائفةٌ من اليهود ينتمون إليها، وعادتهم -كما ذكرنا- تحريكُ الفتنة بين هذه القبائل حتّى يبقوا متسلّطين، ويبقوا دائما هم الرابحين من جهة الصياغة والتجارة واستخدام العرب في فلاحتهم وفي ضياعهم.

هذا ملخَّصُ حالةٍ، وإلا فتاريخ اليهود في المدينة طويل، وهم قوّة لا يُستهان بها، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يغفل -ولم يكن من طبيعته أن يغفل- عن هذا الجانب، فهو يعلم أنّه لمّا هاجر إلى المدينة، أنّ قريشا حتما ستحاربه أو هو من سيحاربهم، ولقد أوحي إليه ونزل عليه قوله تعالى: ﴿اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾(1) ، هو يعلم أنّ الحرب لا بدّ واقعة بينه وبين أهل مكّة حتّى يفتحها ويقيم دين الله في بيت الله الحرام حيث نزل الوحي، فهذا شيء ينتظره ويترقّبه، فإذا هجمت عليه قريش وهو بالمدينة-واليهودُ أعداء-؛ فسيكون ثمّة عدوان: خارجيٌّ وداخليٌّ، وإذا خرج هو من المدينة لكي يجابه قريشا؛ فسيترك من ورائه اليهود وهم أعداء.

إذن كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعمل من أوّل مرة في المجتمع الإسلاميّ من جهة، ويعمل في المجتمع اليهوديّ من جهة أخرى:

- أمّا عمله في المجتمع الإسلاميّ فهو ما تقدّم، يربط بين المسلمين، ويقوّي قلوبهم بالإيمان، ويؤاخي بينهم حتى يردّهم كرجل واحد، «يقوم بذمّتهم أدناهم وهم يد على من سواهم»(2) .

(1) … سورة الحج: الآية 39.

(2) … عن قيس بن عبادة، قال: دخلت أنا والأشتر على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يوم الجمل، فقلت: هل عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهدا دون العامة؟ فقال: لا، إلا هذا وأخرج من قراب سيفه فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده». (أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب: قسم الفيء، حديث: 2555).

٢٨٥ / ٤٥٥