في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩ومتى خرج المسلمون من دار الأرقم؟.
خرجوا في اليوم الذي أسلم فيه سيّدنا عمر وحمزة رضي الله عنهما فتقوّى بهما الإسلام، وقال عمر للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لا نعبدُ الله سرّا». فخرج المسلمون وخرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الكتمان وأصبح يدعو إلى الله جهارا ويعبد الله في المسجد الحرام.
فالمسلمون الأوائل هم الذين أسلموا والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما زال يجتمع في هذا البيت مع أصحابه، وكذلك كان مصعب بن عمير.
وكان يخفي إسلامه عن أمّه وأبيه خشية أن يمكروا به، حتّى فضحه عثمانُ بن طلحة العَبْدَرِيُّ(1) ، إذْ رآه ذات يوم يصلّي فأخبر أباه وأمّه فحبساه رغم المحبّة التي كان يُحظى بها من قِبَلِهما.
ومكث في الحبس مدّة حتّى فرّ مع المهاجرين الأوّلين إلى الحبشة، ثمّ رجع إلى مكّة قبل الهجرة إلى المدينة، فبعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليها -كما ذكرنا- مقرئا وإماما.
وقَبِل بعد إسلامه المعيشة القاسية؛ إذ قطع عنه والداه المَدد والدلال الذي فاق به أهل مكّة كلَّهم، ترك كلّ ذلك النعيم وتحمّل الأذى والضرر والجوع والعطش والعذاب في سبيل الله.
يقول سعد بن أبي وقّاص في حقّ مصعب: «كنّا قوما يصيبنا ظَلَفُ العيش بمكّة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلمّا أصابنا [ما أصابنا] من البلاء صبرنا، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكّة وأجودهم حلّة مع أبويه، ثمّ رأيته جُهدَ في الإسلام جُهدا شديدا حتّى لقد رأيت جلده يتحشّف كما يتحشّف جلد الحيّة». وفي رواية: «يتطاير عنه تطاير جلد الحية».
(1) … «نسبة إلى بني عبد الدار بن عبد مناف بن قصيّ، وهو من أعيان قومه، وصاحب مفاتيح الكعبة، وله قصّة مشهورة». (من كلام الشيخ).